عرض - سيف بن ناصر الخروصي
أكد الشيخ عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي نائب رئيس
المحكمة العليا بوزارة العدل في بحث قدمه في الندوة
العلمية التي أقامها المركز العربي للبحوث القانوينة
والقضائية المنعقدة ببيروت في الفترة من 22 الى 24 من
يوليو 2008م بعنوان (المدى العلمي الذي يسمح به الدين في
مجال الاستفادة من الاستنساخ): ان أحكام الشريعة الإسلامية
صالحة لكلّ زمان ومكان، واختصّت بالشمول والكمال والتوازن.
وقال: إن ممّا استجدّ في هذا العصر هو علم البيولوجيا
والهندسة الوراثية، قد أخذت حيّزا كبيراً من المناقشات
والمجادلات من قبل اختصاصيي الطب، والبيولوجيا، والوراثة،
وعلماء الشريعة والفلسفة، والقانون، ورجال الفكر، وغيرهم.
وأوضح ان للاستنساخ أضرارا وفوائد فالإكتشافات مهما بلغت
في نتائجها العلمية من التطور والتقدم فإنها بلا شك معرضـة
للنقص والخلل.
وبين ان من بين أضرار الاستنساخ هو القضاء على التوازن
الفطري بين الكائنات الحية وإيقاف التطور الطبيعي فيها.
وأوضح ان من بين فوائد الاستنساخ انه يتيح للباحثين فرصة
فهم طريقة عمل الجينات وكيفية تطورها وتخصصها وتميزها
ونشاطها في مرحلة التكوين الجنيني المختلفة وان بعض
العلماء يرى أن أبحاث الاستنساخ ربما تكتشف الكثير من
الغموض عن أسباب الإجهاض المبكر دون معرفة سببه.
واضاف: ان الإسلام يحث على البحث والتفكر والنظر
والاستنباط وإعمال العقل بما لا يخالف نصوص الشريعة
الإسلاميــة، وقـواعدها ومقاصدها.
وأكد ان كل اكتشاف أو تجربة أو نتيجة في العلم الحديث
فالإسلام يؤيدها طبق الضوابط الشرعيّة.
وقال: يجوز الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في
مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان
وفق الضوابط الشرعية، تحقيقاً للمصالح ودرأ للمفاسد كما
يجوز استنساخ الأعضاء البشرية إذا تأتى ذلك بشكل منفصل
لتكون قطع غيار للمرضى.
وإلى المزيد مما جاء في هذا البحث القيم:
يقول الشيخ عبدالله السيابي نائب رئيس المحكمة العليا: في
مقدمة بحثه إن أحكام الشريعة الإسلامية صالحة لكلّ زمان
ومكان، واختصّت بالشمول والكمال والتوازن، قال تعالى: (اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
دينا)، وإن ممّا استجدّ في هذا العصر هو علم البيولوجيا
والهندسة الوراثية، وقد أخذت حيّزا كبيراً من المناقشات
والمجادلات من قبل اختصاصيي الطب، والبيولوجيا، والوراثة،
وعلماء الشريعة والفلسفة، والقانون، ورجال الفكر، وغيرهم.
وكان الاستنساخ هو السبب المباشر الذي أثار ذلك الحيّز
المعتبر من المنــاقشات، فظهـر المؤيّد والمعارض والمتوقف،
وأبدى كلّ حجته، وأبرز كلّ فريق برهانه.
وانطلاقا من حداثة الموضوع وطرافته، ورغبة في الإطلاع
والبحث في كنهه أحببت المشاركة ولو بالنزر اليسير حول هذا
الموضوع المترامي الأطراف، مستعينا بالله عزّوجلّ أوّلاً
وبما توفر لديّ من مراجع، وأرجو أن أكون وفّقت فيما سعيت
والله من وراء القصد.
تقسيم البحث
وقد اشتمل البحث على مقدمة وستة مطالب وخاتمة.
تناولت الباحث في المطلب الأول: تعريف الاستنساخ لغة
واصطلاحا وفي الثاني: أنــــواع الاستنساخ وفي الثالث:
تاريخ الاستنساخ والإخصاب الصناعي وفي الرابع: أضرار
وفوائد الاستنساخ وفي الخامس: الرأي الدولي حول الاستنساخ
البشري وفي السادس: الاستنساخ في ضوء أحكام الشريعة
الإسلامية.
أضرار
ومما ذكره الباحث في اضرا الاستنساخ قوله: مهما بلغت
الإكتشافات في نتائجها العلمية من التطور والتقدم فإنها
بلا شك معرضـة للنقص والخلل، لأنها نتيجة لما توصل إليها
العقل البشري، وهو موصوم بالنقص، إذ الكمال لله، قال تعالى:
(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) ولقد اكتشفت أضرار كبيرة
تصل إلى حد الخطر بعد عملية استنساخ (دوللي)، ومن أضرار
للاستنساخ.
القضاء على التوازن الفطري بين الكائنات، وقد أثبتت
التجارب خطأ العبث بهذا التوازن، حتى ولو كان الهدف من ذلك
القضاء على كائنات ضارة لحساب كائنات أخرى.
وإيقاف التطور الطبيعي في الكائنات الحية، وهو الذي يحدث
عن طريق الإنجاب الطبيعي، أما الاستنساخ فإنه سيقف عند حد
معين، إذ يعتمد ذلك على تحديد من يقوم بالاستنساخ ولا
يتعداه.
و إن استنساخ نسخ متطابقة من الحيوانات ينطوي على خطر يجعل
تلك الحيوانات المستنسخة المتماثلة عرضة لأي تأثير مرضي
معدي، وسيصاب جميع أفراد القطيع المستنسخ بالمرض ذاته، مما
يؤدي إلى القضاء مرة واحدة على جميع النسخ.
فوائد
وذكر ان فوائد الاستنساخ المشروع فكثيرة على ما ذكر
المختصون، وعلى سبيل المثال: يتيح للباحثين فرصة فهم طريقة
عمل الجينات وكيفية تطورها وتخصصها وتميزها ونشاطها في
مرحلة التكوين الجنيني المختلفة.
ويساعد على الوصول إلى فهم أدق للأمراض الوراثية والتشوهات
الجنينية، فعندما تجرى التجارب والإختبارات على حيوانات
متميزة وراثيا على بعضها فالنتائج قد تأتي على أساس
الإختلاف الوراثي للحيوانات، وليس على أساس ردود الفعل لما
يتم اختباره، وينبني على ذلك تحديد أفضل السبل لعلاج هذا
الأمراض في الإنسان، إضافة إلى إنتاج عقاقير دوائية
باستخدام هذه التقنية.
وقد يكون مفيدا في مجال النباتات والحيوانات معا، ففي
النباتات الحصول على أنواع جيدة وذات عطاء متميز من الناتج
الثمري، وكذلك في محال الحيوانات بالحصول على نخبة جيدة من
الحيوانات ذات الخصائص الوراثية المتميزة، مثل: الأغنام،
والأبقار، والإبل،التي تنتج كمية كبيرة من الحليب أو
اللحوم أو الصوف، وكذلك تجربة الأجنة الممتازة المأخوذة من
بييضات من أبقار مختارة لسرعة نموها أو لوفرة ما تدر من
الألبان، أو لمذاق لحمها، وقد وصل عدد الأبقار التي حملت
بهذه الطريقة سنة 1996م إلى سبع وعشرين ألفا في فرنسا،
بشرط أن لا تؤدي هذه النتائج إلى سلبيات تعود على الإنسان
بالضرر عند استهلاك منتجاتهـا فلابـــد مــن دراسـة الآثار
بعيدة المدى لهذه التطبيقات،لأنه ظهر أخيراً أن بعض
المحاصيل المطورة وراثياً والتي أصبح إنتاجها كبيرا ثبت أن
لها بعض الأضرار التي تعود على صحة الإنسان بالسلب.
ويمكن بهذه التقنية الإكثار من الفصائل النادرة المهددة
الإنقراض التي تعاني صعوبة التكاثر الجنسي وقلة النسل.
وإمكانية البحث في استنساخ أغنام وأبقار يحوي حليبها
الصفات لحليب الأم، أو حليب يحوي البروتين العلاجي بحيث
يمكن إنتاج بروتين معين كهرمون الأنسولين، أو هرمون النمو،
وإنتاج العامل المعالج لتخثر الدم.
ويرى البعض أنه يمكن الاستفادة من الاستنساخ في الأمراض
السرطانية عن طريق احتمال التوصل والتعرف على الأسباب وراء
سرعة انقسام الخلايا السرطانية والتي تبين أنها تماثل سرعة
انقسام الخلايا الجنينية فإنه يمكن استخدام ذلك في وقف
انقسام الخلايا السرطانية.
ويرى بعض العلماء أن أبحاث الاستنساخ ربما تكتشف الكثير من
الغموض عن أسباب الإجهاض المبكر دون معرفة سببه.
ومحاولة استنساخ الأعضاء الحية من خلايا جسمية تزرع
لصاحبها من أجل إنتاج أعضاء جديدة بدلاً من تلك التي خسرها
بالفقد أو التلف، وبذلك تحل مشكلة عويصة وهي مشكلة رفض
الجسم للعضو المزروع فيه.
ومقاومة الأمراض الموروثة كالسكر وضغط الدم وتصلب الشرايين
والقلب والمناعة الذاتية، وذلك من خلال ما يعرف بالتحكم في
البرنامج الوراثي والعلاج الجيني، أو معالجة الجينات
الإنسانية المعيبة التي يولد بها الإنسان.
وتصنيع هرمونات وبروتينات معينة عن طريقة الهندسة الوراثية،
لا يمكن الحصول عليها من الطبيعة، مثل هرمون النمو
والأنسولين الآدمي، وهذه البروتينات العلاجية سيكون لها
دور كبير في علاج بعض الأمراض.
الرأي الدولي حول الاستنساخ البشري
ومما جاء في البحث حول الاستنساخ البشري أشار الباحث الى
أن قضية الاستنساخ البشري أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط
الدولية، مما جعل قادة كثير من الدول ومنظمات وهيئات أخرى
تعنى بهذا الشأن أن تقف بحزم حول هذه القضية، لخطورتها
وبشاعة أمرها للبشرية، ونذكر على سبيل المثال:
فرض الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلنتون) حظرا على تخصيص
أموال (فيدرالية) لأبحاث الاستنساخ لمدة خمس سنوات، وأدان
الاستنساخ الآدمي، وتبعه (توني بلير) رئيس وزراء بريطانيا
السابق على ذلك.
وأدان الرئيس الفرنسي السابق (جاك شيراك) الاستنساخ البشري،
والاتحاد الأوروبي والنرويج: طالب البرلمان الأوروبي (سبع
عشرة دولة) في اجتماع عقد في مدينة (سترسبورج) بسن قوانين
تحرم الاستنساخ البشري، واقترح البرلمان النرويجي قانونا
يجرّم استنساخ الإنسان بأغلبية (88) صوتا مقابل صوتين غير
موافقين.
وبيان صحفي لمنظمة الصحة العالمية يقول: يعتبر استخدام
الاستنساخ لإنتاج نسخ للأفراد من البشر عملا غير مقبول
أخلاقيا، كما أن فيه انتهاكا لبعض المبادئ الأساسية التي
تحكم الإنجاب عن طريق العون الطبي، ويدخل في هذا احترام
كرامة الإنسان وحماية أمن المادة الوراثية الإنسانية.
ومنظمة اليونسكو من خلال اللجنة الدولية للأخلاقيات
والبيولوجيا التابعة لها، حيث تعد إعلانا عالمياحول
الجينوم البشري وحقوق الإنسان ومجمع الفقه الإسلامي بجدة
والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية من خلال الندوة الفقهية
الطبية التاسعة المنعقدة بالدار البيضاء بالمغرب بالتعاون
مع مجمع الفقه الإسلامي والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة
العالمية ومنظمة الإيسيسكو، وقد حضرها حوالي 60 من كبار
الفقهاء والأطباء والعلماء.
والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة في ندوته
المنعقدة في أول يونيو 1997م.
ومجمع البحوث الإسلامية، حيث جاء في بيانه: أما استنساخ
الإنسان الذي تحيط به المخاطر من كل جانب.. فذلك حرام ويجب
التصدي له ومنعه بكل الوسائل.
حكم استنساخ الحيوان والنبات
وفي ضوء احكام الشريعة الاسلامية في الاستنساخ بين أولا
حكم استنساخ الحويان والنبات فقال: لقد سخر الله الحيوان
للإنسان ليستخدمه في كل وجه يمكنه معه الإنتفاع به على
الوجه المشروع، قال تعالى: (أولم يروا أنّا خلقنا لهم ممّا
عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون،وذلّلناها لهم فمنها
ركوبهم ومنها يأكلون).
فالأصل في جميع الاستخدام البشري للحيوان الجواز، وأما
المنع لشيء من ذلك هو الاستثناء قال تعالى في شأن الحيوان:
(وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم).
وتطبيق الهندسة الوراثية والتكنلوجيا الحيوية على الحيوان
يمكن تصور أهداف ذلك على النحو التالي:
1ـ العمل على تحسين الإنتـاج الحيواني وتجويده بتقنية
السلالات المتاحة، وإبراز أجود صفاتها ومضاعفة إنتاجها،
سواء أكان ذلك من خلال التطبيق على الخلايا التناسلية أم
الجسدية للحيوانات المستهدفة.
2ـ العمل على إيجاد سلالة جديدة، أو نوع حيواني مختلف وغير
معروف من قبل، وذلك مــن خــــلال المــزج العشوائي أو
المخطط بين خلايا نوعيـن أو أكثر من الحيوانات المعروفة.
أهداف
وأما أهداف تطبيق الاستنساخ على النبات فتتصور في أمرين:
ولهما: العمل على تجويد الإنتاجية وتحسين الصفات للنباتات
موضع التطبيق، وذلك بجعلها أكثر ملائمة لبيئة أو ظروف
مناخية معينة، كمقاومة التصحّر والجفاف، أو إكساب النبات
خاصية التسميد الذاتي، وغير ذلك من الأفكار التي تعد بها
تقنيات الهندسية الوراثية.
وثانيهما: العمل على إيجاد نوعيات جديدة من النبات أو
الثمار من خلال المزاوجة بين نوعين أو أكثر، بحيث تختلف
أوصافها عن المألوف، من ذلك كمزاوجة البطاطس بالطماطم
لإنتاج ثمرة الطماطم أو البطاطس، وغير ذلك مما تعد بها
تقنيات الهندسة الوراثية.
خلاصة
وهذا ما تقدم ذكره يظهـر جوازه والله أعلم وفق ضوابط وحدود
شرعية، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في جدة الأخذ
بذلك في دورته العاشرة المنعقدة خلال الفترة من 23 إلى
28صفر 1418هـ بعد اطلاعه على البحوث والتوصيات الصادرة عن
الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة
الإسلامية للعلـوم الطبية في دار البيضاء في الفتــرة من
9ـ 12 صفر 1418هـ، ونصّ قـــرار المجمع آنف الذكر: »يجوز
شرعا الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات
الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود
الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد».
ضوابط الجواز للنباتات
ومن الضوابط لجواز الاستنساخ للنبات ظهور المصلحة الراجحة
في التطبيق المقصود لضمان البعد عن العبثية والأمان من
المخاطر والآثار الجانبية على صحة الناس واقتصاد الدولة
وألا تقع المزاوجة بين نوعين أحدهما مباح والآخر غير مباح،
كالمزاوجة بين الفاكهة والخضروات المباحة وبين النباتات
المخدرة، لتكتسب بذلك الثمرة الوليدة شكل المباح ومضمون
المحظور.
واهم الضوابط التي يجب أن تراعى في استنساخ الحيوان هي:
أن يغلب على الظن في التطبيق المقصود وجود مصلحة راجحة
تتمثل في جلب منفعة للناس أو دفع مفسدة عنهم، بحيث لا يكون
ذلك من قبيل العبث أو السخرية بمخلوقات الله.
وأن يتم التطبيق بوسيلة مباحة ومفضية بطبعها إلى المقصد
بعينه، لأنه إذا كان من اللازم للقول بإباحة أي تطبيق أن
يكون له مقصدا شرعيا، فإنــه من اللازم لذلك أيضا أن تكون
الوسيلة مفضيــة بطبعها إلى هذا المقصد، وإلا فــإن عدم
إفضاء الوسيلة إلى المقصد يبطل اعتبارها، ومن ثم تمتنع
إباحة التطبيق لذلك.
وأن تؤمـــن مخاطر التطبيق، لأن دفع المفاسد مقدم على جلب
المصالح، وتخريجاً على ذلك لا يجوز المزاوجة للتنسيل من
حيوان وحشى والآخر مستأنس.
وألا تؤدي المزاوجة بين نوعين من الحيوانات إلى شغل الأرقى
بالأدنى، لما روي عن على كرم الله وجهه أنه قال: أهديت
لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها، فقلت: لو
حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون، وقد
حمل النهي عن ذلك على الكراهة، قال الإمام الخطابي في
تعليل النهي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك والله أعلم أن
الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقلّ عددها
وانقطع نماؤها وليس للبغال ما للخيل من الفضائل، فأحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن ينمو عدد الخيل ويكثر نسلها
ولكن قد يحتمل أن يكون حمل الخيل على الحمر جائزا، لأن
الكراهة في هذا الحديث إنما جاءت في حمل الحمر على الخيل
لئلا تشغل أرحامها بنسل الحمر فيقطعها ذلك عن نسل الخيل،
فإذا كانت الفحولة خيلاً والأمهات حمراً فيحتمل ألا يكون
داخلاً في النهي. اهـ.
وحاصل كلام الإمام الخطابي أن علة النهي في الحديث هي شغل
الرحم الأرقى بالأدنى، ومن ثم فالنهي يشمل ما في هذا
المعنى من التطبيقات فقط، ولا ينسحب النهي على مطلق إيجاد
الحيوان المركّب من نوعين مختلفين.
وقد أكّد الإمام الخطابي هذا المعنى حينما أورده كتأويل
يحتمل حمل النهي عليه، وعلّل هذا التأويل المحتمل ثم أجاب
عليه ودفع شبهته، ونصّه في ذلك: .... إلا أن يتأوّل متأوّل
أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر وكراهة
اختلاط مائها لئلا يكون منه الحيوان المركب من نوعين
مختلفين، فإن أكثر المركّبات المتولدة بين جنسين من
الحيوان أخبث طبعاً من أصولها التي تتولد منها... وكذلك
البغل.. حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء ولا يذكى ولا يزكى
ثم يقول الإمام الخطابي قلت: وما أرى هذا الرأي طائلا، فإن
الله سبحانه وتعالى قال: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها
وزينة)، فذكر البغال وامتنّ بها علينا كامتنانه الخيل
والحمير، وأفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها، ونبّه على
ما فيها من الإرب والمنفعة، والمكروه من الأشياء مذموم، لا
يستحق المدح ولا يقع به الإمتنان، وقد استعمل رسول الله
صلى الله عليه وسلم البغل واقتناه.... ولو كان مكروها لم
يقتنه ولم يستعمله والله أعلم.
وحاصل ما تقدم أن النهي في الحديث ليس عن مطلق إيجاد حيوان
مركّب من نوعين مختلفين، وإنما يتأتّى النهي في معنى معيّن
هو شغل الأرقى بالأدنى، كما في شغل أرحام الخيل بنسل ما
دونها في المنافع من الحيوانات، وقد حمل الجمهور هذا النهي
على الكراهة، بينما أجاز الحنيفة إنزاء الحمير على الخيل
وعكسه من غير كراهة.
وألا تقع المزاوجة بين نوعين من الحيوانات أحدهما مباح
الأكل والآخر غير مباح الأكل، سواء أكان ذلك بالتكاثر
الطبيعى كالمزاوجة بين كلب وشاة والعكس، أم كان ذلك
بالتقنيات الصناعية ووسائل الهندسة الوراثية، كإيلاج
الجينات المسؤولة عن نعــومة اللحم في الخنزير في أمشاج
الأبقار، بحيث يأتي نسل البقــر كهيئــة البقر شكلاً ولكن
لحمه بطعم لحم الخنزير، والمنع في هذا التطبيق سواء كان
بالتكاثر الطبيعي أو بوسائل الهندسة الوراثيّة للحرمة
لاللكراهة،وذلك إعمالا للقاعدة الفقهية »إذا اجتمع الحلال
والحرام غلب الحرام».
ومن تطبيقاتها الصريحة عند الفقهاء »من أحد أبويه مأكول
والآخر غير مأكول لا يحل أكله».
حكم استنساخ البشر
وقال: في حكم استنساخ البشر بحث علماء الشريعة هذه المسألة
بحثاً دقيقاً سواء كان على مستوى الأفراد أم المجامع
والندوات الفقهية، ورجعوا إلى الأصول الثابتة في الشريعة
الاسلامية التي لا تقبل المساس بها أو التنازل عنها، مع
مراعاة المقاصد والمصالح ودرء المفاسد وفقه النوازل،
واجتمعت كلمة جمهورهم على تحريم استنساخ البشر ومنعه، وليس
هذا موقف علماء المسلمين من هذه المسألة فحسب، وإنما هو
موقف دولي كما مرّسابقا، ورأى بعض الفقهاء جواز ذلك،
والبعض الآخر يرى عدم التسرع للقول بالحرمة، وأن تجعل فرصة
للاستثناء حاضرة أو مقبلة إن ثبتت لها فائدة واتسعت لها
حدود الشريعة، على أن تبحث كل حالة على حدة.
ثم تطرق الى سرد الأقوال وادلتها في هذا الشان.
خاتمة
وجاء في خاتمة البحث إن الإسلام يحث على البحث والتفكر
والنظر والاستنباط وإعمال العقل بما لا يخالف نصوص الشريعة
الإسلاميــة، وقـواعدها ومقاصدها، فكل اكتشاف أو تجربة أو
نتيجة في العلم الحديث فالإسلام يؤيدها طبق الضوابط
الشرعيّة.
والاستنساخ هو: الحصول على عدد من النسخ طبق الأصل من نبات
أو حيوان أو إنسان بلا حاجة إلى تلاقح الخلايا الجنسية
الذكرية أو الأنثوية. ويجوز الأخذ بتقنيات الاستنساخ
والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء
الدقيقة والنبات والحيوان وفق الضوابط الشرعية، تحقيقاً
للمصالح ودرأ للمفاسد.
ويجوز استنساخ الأعضاء البشرية إذا تأتي ذلك بشكل منفصل
لتكون قطع غيار للمرضى.