كنت
أسير في وسط المطر، كانت مظلتي يلوح بها الهواء والناس
خرجوا مسرعين من عملهم يدفنون رؤوسهم تحت مظلة أو كتاب، أو
أي شيء كانت تصل إليه أيديهم حتى يصلوا إلى سيارتهم،
وبعضهم يجري ليصل إلى الجهة الأخرى. لم يكن هناك مطر،
عندما وصلت إلى هنا، ثمة مجموعه من السحب تكومت بشكل جميل
حجبت نور الشمس لفترة قصيرة، وما لبثت أن ظهرت الشمس فجأة،
وظلت هكذا حتى تلاحمت السحب. كنت أرى المطر من نافذة مكتبي،
وكانت قطرات المطر وهي تسيل على النافذة راسمة خطوطاً
متعرجة كعيون تذرف دمعاً. بدأ المنظر بالنسبة لي في ذلك
الوقت بمثابة جرعة دواء قد أراحتني قليلاً من الملفات
الكثيرة التي كنت منكفئة في التدوين فيها نظراً لغياب
زملائي عن العمل. وعندما انتهيت توجهت نحو الشارع الجانبي
وانتظرت قليلا وأنا احتمي من المطر وعلى السيارات الكثيرة
أيضا تبطئ حركة السير ويهدأ المطر، تابعت سيري وأنا استمتع
بزخات المطر.
وتذكرت حينها قصيدة «أنشودة المطر» لشاكر السياب وهو يقول:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ، أو
شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ وَتَرْقُصُ
الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
رحيق الأزهار
عندما التقيت بها في آخر مرة هل تذكر؟ أهدتك حينها مصحفا
ومعطفا. وودعتك بحرارة ممزوجة بحزن على فراقك ودعت لك بأن
يحفظك الله من كل سوء. حينها أدرت لها ظهرك ،وكان والدك
صامتا. أطبقت شفتيك على جبينه وتمتمت بكلمات لا أعرف ما هي.
وصعدت السيارة، لوحت لهما، وابتسمت هي لك، ودمعة تنزلق نحو
خديها ترافقك طوال الطريق.
لون السماء كان أكثر زرقة، ونسمات الهواء كانت باردة.
ارتديت معطفك وشعرت بدفء عجيب وتلمست المصحف، قبلته بتبتل
وأنت تضمه إليك ربما لأنه منها. وشعرت حينها بفراقها
وتمنيت أن تحضنها أكثر مما هي احتضنتك وأن تقول لها كلمة
أحبكِ لكن في تلك الأثناء لسانك كان جافا بالتعابير
والمشاعر وكأنها لا تستحق منك ذلك. وخلال ساعات من السير
وصلت إلى بيت الشباب وهناك صادفت مجموعة من الشباب الذين
تعرفت عليهم لاحقا وتعرفت على نمط حياتهم.. كان همك الوحيد
في تلك الأثناء أن تنهي مذاكرتك في وقت معين ثم تشرع في
النوم. لكن منذ أن أتيت إلى بيت الشباب نسيت ما تعودت عليه،
لأنهم لا ينامون باكرا ويسهرون كثيرا أمسيت تسهر لوجود
الضوضاء و الأضواء القوية. تضطر إلى وضع نظارتك الواقية
وتذهب نحو الشرفة منعزلا تخلعها عندئذ تراقب الليل ونجومه
الزاهية أو ذلك القمر الذي يذكرك بوجهها الوضاء .. ثمة
نجمة كانت تضيء بقوة ،تذكرتها فهي نجمتك التي تنير لك دروب
الحياة.
ذات صباح قررت أن تتصل بها فقد اشتقت إلى صوتها العذب وصوت
أبيك.كانت في انتظار مكالمتك لها لذا كادت تطير من الفرح
عندما هاتفتها وسمعت صوتك. أطمأنت عليك وعلى سير المذاكرة.
أخبرتها أنك تعرفت على شاب عربي من بلد إفريقي يقطن معك في
نفس الغرفة اسمه أحمد وهو مثلك يميل إلى العزلة نوعا ما،
ويحب الأصدقاء كثيرا لكنه احبك أكثر. هذه المرة أخبرتها ما
خالج في صدرك من كلمات ونثرت لها كلماتك كأزهار الربيع مما
أثلج صدرها الرحب، ودعت لك بالتوفيق. أخبرتها أيضا أنها
ملهمتك الأولى ولولاها لما تفوقت في دراستك ولما كسبت محبة
الآخرين وأنها صندوق أسرارك المتين عندها أخبرتك أنها تحبك
أكثر من حياتها وهي مستعدة أن تتقبل منك كل شيء لأنها
الرحيق الذي يختزل محبة الأبناء فهي أمك الرؤوم.
زهرة البنفسج
قررت وبصمت أن تضع حدا لحياتها الرتيبة، وأن تستقبل الحياة
بصدر رحب. اقتنت مجموعة من الأزهار، صاحب المحل أكد إنها
من الزهور البرية التي وصلت حديثا إلى محلات الزهور. خرجت
من المحل شاكرة وابتسامة مرحه ارتسمت على شفتيها وهي تتلمس
تيجان الأزهار. المكان بدا هادئا إلا من صوت بائع الجرائد
وهو يلوح للمارة بجرائده التي باع منها الكثير ولم يبق إلا
القليل، رغم أن الجو كان باردا وغائما ينبئ بهطول أمطار
فقد شهدت المطر في تلك اللحظة وهي لا تزال تمشي في الطريق
.كان المطر يسقط خفيفا يضفي على الشارع صفاءً و لمعانا.
نظرت إلى السماء في سعادة وقد غسل أهدابها رذاذ المطر
وبللها رغم ذلك شعرت بسعادة وتوقفت قليلا تغسل الحزن الذي
ظل قابعا في قلبها زمنا حتى قررت أن تضع حدا له. شعرت
بنشوة غامرة وتابعت طريقها وهي تحتمي بباقة الأزهار التي
فد تبللت تيجانها رغم أن البائع غلّفها بشكل جيد. كانت
السيارات تمر من أمامها منها ذات البوق الصاخب ومنها من
تمشي بسرعة وترشفها بماء المطر الذي ملأ الشارع رغم ذلك لم
تبال بشيء سوى الاستمتاع بالجو الجميل. بدت السيارات تلمع
تحت المطر وكأن المدينة في مهرجان حافل بين الأضواء والمطر
.وعندما وصلت البيت نزعت غلاف الأزهار بلطف، وضعت الأزهار
بشكل منسق في زهرية بيضاء ثم خلعت معطفها وجلست قرب
المدفئة تحتمي بنارها الدافئة واقتربت منها قطتها المشاكسة
التي كانت أيضا مبللة بماء المطر ضمتها إليها وجلستا قرب
المدفئة يستمدان الدفء الذي بدأ يتسرب إلى أوصالهما
المتعبة.