إن للواقع آثارا متى تبدو
في الخطاب السردي تعقد ألفة وعروة مع القارئ، هي آثار
اشتراك الثقافة واشتراك الهموم، وملامسة مواقع تقدر على
تحقيق التواصل والتفاعل. ولسنا نعني بالواقعي ما كان فعلا
وحدوثا، ولا نقصد به وقائع الحياة اليومية والتاريخية، ولا
الشخصيات في وجودها الإحالي فحسب، وإنما الواقعي هو ممكن
الوقوع على مستوى توفر الشروط الموضوعية للتحقق في
التاريخ، وهو آيضا ما يتحقق في الأخيلة والأوهام ويتحول
قناعة ووجودا فعليا. فالواقعي وفق هذا المنطلق لا يحدد
بمعارضته للأسطوري والخيالي، لأن فيهما من شروط الوقوع ما
قد يفوق الواقع الموضوعي في بعض الأحيان.
ونحن نعتقد أنه من الضروري أن نبسط الآن سؤال فاعلية الأدب
ودوره في تشكيل الثقافة، ولعل في السؤال ردا على التجارب
الفنية الداعية إلى تخليص الأدب من آثار الواقع، وأعمال
كثيرة من سردنا التونسي قد توجهت هذه الوجهة وما زالت تكتب
الرواية أصداء للمقروء الغربي لا معاينة للواقع وخضوعا
لسلطانه، فيخرج الخطاب السردي بسبب من ذلك باهتا فاقدا
الملامح، معلنا منذ ولادته بدء الفصل بينه وبين جمهوره.
وننبه في هذا المقام إلى أننا لا نسترجع مفاهيم الواقعية
الراغبة في تحقيق الموضوعية، وإنما ننظر إلى الواقع خبرا
أو أداة منها المنطلق لبيان شتى التصورات والتمثلات. وقد
جمعنا في دراستنا هذه ثلاث روايات هي أقرب إلى روايات
السيرة الذاتية، وكل منها ينظر إلى الواقع الخاص من زاوية
محددة يتدخل فيها موقع الناظر ومقامه الحضاري والتاريخي
وجملة مواقفه السياسية والأدبية والفنية، فهي نصوص صادرة
عن واقع معاين وعن وقائع لها في الأذهان ظلال، لتعانق آفاق
سردية لا حد لها، وهذه الأعمال هي : دار الباشا لحسن نصر،
هلوسات ترشيش لحسونة المصباحي، وحكايات السيد ( س) هدير
العشق في الأسحار لسمير العيادي.
وتجتمع هذه الأعمال في إمكان انتسابها إلى أدب السيرة
الذاتية باعتبار الموافقة الممكنة بين الشخصية المركزية
والذات المؤلفة، أي بين الشخصية الخطابية والشخص التاريخي،
إذ تجمع بينهما ظلال وملامح مشتركة، توقع إلى الجمع
بينهما، إضافة إلى توفر مشاهد من الواقع المعاصر حيكت
بوسائط السرد وآلاته وخرجت خطابا فيه من أصداء الذات ما
يقدر على شد انتباه القارئ، وفيه من أصداء المجتمع
والمشترك ما يحفز على وأم المسافة الفاصلة بين الذات
المبدعة كتابة والذات المبدعة قراءة.
ومن وجوه الاتفاق أيضا أنه لا واحدة من هذه الآثار تعلن
بشكل أو بآخر انتمائها إلى أدب السيرة الذاتية، وإنما كل
منها منفلت من ذاته، خارج عنها، وإن كان في الباطن سائحا
فيه، باحثا في تجاويفها، مسقطا أقنعة عددا، فتبدو الوجوه
سافرة عارية، ويكشف السرد رواية جوانب من تاريخ لا يدونه
التاريخ، ويعرض عنه المؤرخون.
الشخصية / الشخص
يمثل بناء الشخصية أهم مكون من مكونات الخطاب السردي،
وعليها الاتكاء في هيكلة شبكة العلاقات التي تنظم عبرها
الأحداث، وهي المدخل الرئيس للسياحة في فضاء السرد. ولا
ريب أن الشخصية تحاكي في بنائها واقعا ما أو هي تنطلق من
مستند واقعي حتى وإن كانت مجنحة خارجة عن الواقع كما ندركه
أو كما نتصوره، ذلك أن المنطلق الذي نصدر عنه لا يفصل بين
خطاب واقعي وخطاب خيالي، فكلاهما راجع إلى أصول راسخة في
الواقع، في إطار فهم مخصوص للواقع لا يعتمد على المعاينات
والمشاهدات والمدرك العقلي فحسب، وإنما هو معتمد التصورات
والمعتقدات الشعبية والعالمة، والخيالات والتمثلات.
ولذلك فإن الشخصية – من حيث هي كائن ينشأ داخل الخطاب
ويتكون بواسطة اللغة التقريرية والتصويرية – في الخطاب
السردي هي صورة من صور الواقع تتمثل بطريقة مخصوصة،
ويبنيها متمثلها صدورا عن هذا الأصل وإدراكا خاصا تتدخل
فيه ثقافته وموقعه الحضاري، ومنزلته التاريخية،فهي صادرة
عن ذات متكلمة هي في منتهى المطاف المؤلف الذي يختار
شخصياته ويخصص لها خصالا، ويركزها في خطابه ويصلها بعلاقات
ويدفعها لأداء أحداث عديدة،ثم تقع هذه الشخصيات في أنفسنا
مواقع شتى بين القبول والرفض بين التماهي معها أو التنافر،
فالذات المتكلمة قادرة أن تقد شخصياتها على هيئة تدفع
القارئ إلى الإيمان بها، واقعا وحقيقة، والقارئ بدوره ليس
ذاتا سلبية، وإنما تتكون الشخصية عبر هذه العلاقة
التخاطبية المخصوصة بين ذات باثة وأخرى متقبلة. ولذلك فإن
القراءة في جانب منها تجتهد متى توفرت الإمكانية في رد
الشخصية إلى الشخص أي في رد المكونات الخطابية للشخصية إلى
ممكن الشخص. فالشخصيات الواردة في الآثار عالقة بشخوص في
الواقع حتى وإن لم تُحل إليها تسمية وانتسابا، فهي تخص
جنسا من البشر تتوفر فيه هذه الخصال فتأتي من الأفعال ما
يوافق الممكن.
ونفصل في دراستنا لهذه الأعمال بين منطقين غلبا عليها،
منطق تدخل في دائرته شخصيات (حكايات السيد "س")، ومنطق
تدخل ضمنه شخصيات (دار الباشا) و(هلوسات ترشيش) فقد قام
توجه سمير العيادي على إجراء الرمز بدلا عن الاسم، الرمز
الحرف الذي اختاره لشخصيته المركزية مع تجنب ذكر أسماء
الشخصيات المجاورة غير أن هذا الإجراء لم يعزل القراءة عن
رصد أوجه للتوافق عديدة بين الشخصية المركزية الغامرة،
المهيمنة وبين الذات القابعة خلفها، ترى من خلالها وجهها
ووجدها.وعلى نقيض ذلك تبدو الشخصيات في ( هلوسات ترشيش)
و(دار الباشا) واضحة المعالم والقسمات متخذة أسماء متركزة
في عمق الواقع منغرسة فيه.
يجمع حدث العودة إلى المكان بعد فرقة طويلة بين رواية (دار
الباشا) ورواية (هلوسات ترشيش) ومن خلال هذا الفعل تبدو
الشخصية عميقة الصلة بالذات المتكلمة، بالشخص الحقيقي
القابع وراء الرواية، بالمؤلف، فهو في الشخصية المركزية
حاضر، في رؤية الأشياء، والوقائع، والشخصيات.
إن الحدث الرئيس في (دار الباشا) هو عودة (مرتضى الشامخ)
إلى (دار الباشا) بكل رغبة في استعادة الزمن المنقضي
واللجوء إليه هربا من واقع يثقل الكاهل، وارتكازا على حدث
العودة يتفتح المجال السردي وتكشف الشخصية عن وجهها وعن
وجوه أخرى ارتبطت معها بتاريخ واحد وإن تبدلت الرؤى
والمواقف. فأسباب عديدة تشد الشخصية إلى الشخص، على مستوى
التكوين الثقافي والعلمي، وعلى مستوى التحول في المكان،
وعلى مستوى التواصل مع شخصيات إحالية واقعة بصورتها
الخطابية في الخبر. ويمكن أن نضرب على ذلك مثلا بسيطا هو
تحول الشخص حسن نصر في المكان إلى بغداد وإلى موريتانيا،
وهو الرمز الظاهر في ترجمته الواردة في الغلاف الخلفي
للرواية، وتحول الشخصية المركزية في الخطاب إلى ذات
المكان. (نعم، استطاعت تلك الثقافة أن تحملك خارج إطار هذا
الوطن الصغير إلى الآفاق الواسعة، فعشت لا تنقطع لحظة
واحدة عن التطلع إلى حدود إمبراطورية عظمى يمكنك أن تضرب
فيها طولا وعرضا، تتكلم لغة واحدة وتتنقل بحرية من التخوم
إلى التخوم، من بلاد الرافدين شرقا إلى الخيمة...) دلائل
عديدة تحول رواية دار الباشا إلى رواية سيرة ذاتية كما أقر
ذلك محمد القاضي في تقديمه للرواية "ليست دار الباشا
تاريخا ولا هي رواية. إنها في منزلة بين المنزلتين. أما
المنطقة الوسطى التي نراها بها أليق فهي أدب السيرة
الذاتية، والرأي عندنا أن هذا النص رواية سيبر ذاتية".
وقد نشدت رواية (هلوسات ترشيش) بدورها إلى حدث العودة،
فالأحداث تتوالد جراء رجوع (عبد الفتاح خليل) إلى أرض
الوطن بعد غياب، وهو رجوع مرفوق بتذكر أيام كانت هي
السعادة المرجو استرجاعها، وموصول بواقع مرير تلاقيه
الشخصية، فيه من التحول ما يبدل الحسن قبحا. فنلحظ صلة
واضحة فيما تختص به الشخصية الأساسية من خلال وبين الشخص،
أي الذات المؤلفة، هي صلات ظاهرة في إمارات تبدو وثني
الخطاب وتعلق بالشخص في قضائه مدة خارج البلاد، في جولانه
عدة مناطق من العالم، في معاشرته للوقائع التاريخية، في
اتصاله بشخصيات مرجعية. ويتوفر هذا الخطاب على قدرة
إرجاعية مهمة فعلى مستوى الشخصيات احتوى شخصيات خطابية
دارت في فلك شخصية (عبد الفتاح خليل) وهي شخصيات قد اتصلت
بمرحلة تاريخية مخصوصة وتوفرت إمكانا في السبعينيات
والثمانينيات من القرن الماضي، شخصيات مهووسة بالسياسة،
مهمومة بقضايا الوطن، مشغولة بالأدب ومحاوره، وقد تمكنت
الذات الراوية من رصد تقلب هذه الشخصيات وتحولها، فمنها من
انقلب إلى الضد من لم يتحول إذ تحوّل الزمن، فأضحى خارجا
عن سياقه، فكانت النهاية انعزالا (الأستاذ) أو انتحارا
(ياسين) أو سوء معاش (عمّار)، وتظل شخصيات عديدة مرافقة
للشخصية الأساسية مؤثرة فيها، تسعى إلى ملاقاتها فلا تظفر
بها وكأن الزمن الذي جاد بها قد انتهى، وأهمها شخصية
ياسين، الذي ظل هاجسا مرافقا لجميع مراحل التّذكر، وشخصية
الأستاذ الذي مثل زادا معرفيا واجتماعيا مهما في بناء
الشخصية المركزية. شخصيات عديدة تحيط بشخصية المركز وتحدد
وجودها، وأهمها فعلا وأثرا الشخصيات الراوية، أو الشخصيات
التي صاغت آفاق الحكاية وثقافة القصة في التكوين الثقافي
للشخصية المحور، هي شخصيات منبعثة من عمق الواقع فيما تختص
به من صفات وما يصدر عنها من حكايا رائجة، عن الجن
والعفاريت والبطولات الأسطورية، و(عجائز شمطاوات شريرات
يمسخن بني آدم إلى قرد أو إلى جرذ).
* مجتزأ من دراسة طويلة