شرفات....

شرفة السماء
من فضائل النوم
محمود الرحبي

في روايته، حياة باي، يكتب الروائي البولندي يان مارتن، الحائز على جائزة بوكر العالمية لعام 2002، عن حيوان غريب يسمى بالكسلان، ويتحدث عنه بأنه كائن آسر، حيث يكرس جل وقته في عادة واحدة هي الكسل، فهو ينام بمعدل عشرين ساعة في اليوم، وترتسم على شفتيه ابتسامة أبدية: (وقد رأيت رأي العين تلك الابتسامة، ومع أنني لست ممن يحبذون إسقاط السمات والمشاعر الانسانية على الحيوان، لكن حدث مرات عدة في سياق رحلتي تلك، إذ كنت أنظر الى نفر من الكسلان الهاجعة، أن أحسست بأنني في حضرة ممارسي يوجا مستغرقين في تأملاتهم، مستغرقين في تأملاتهم، أو في حضرة نساك في غمرة الصلاة، حيوات كثيرة متخيلة تتجاوز بكثير نطاق بحثي العلمي).

*

الفنان الإسباني العبقري خوان ميرو كان يعشق النوم الى درجة أنه قبل أن ينام يكتب على باب غرفته من الخارج (الفنان يعمل، فلاتزعجوه)، ورغم ذلك فقد تنفس من خلال النوم، لوحات تشكل مدعاة للفخر لأي متحف عالمي يقتنيها، مزيج من سوريالية شرقية، لا بد من الاستعانة بقوة الحلم للانسجام مع خطوطها وظلالها وألوانها، جمال محفوف بالحنين والقفز عاليا بأجنحة بيضاء تشبه السحب (كثيرا ما تتكرر السحب في لوحاته) مزيج من سحر شرقي وألف ليلي، وأروقة أندلسية غائبة. لوحات ربما شكلها الحلم دون سابق تصميم، بألوان تبدو وكأنها قادمة من حدائق الغياب.. الحلم.. النوم. نحتاج الى دقائق من التأمل اللذيذ للانصهار في متعة لوحاته. فلنجمع إذا عدد هذه الدقائق من كل متأمل صادق لتلك اللوحات عبر السنين. لا ريب بأننا سنحصي ملايين الساعات، وهي لم تكن تحتاج من ميروا سوى لدقائق من النوم، وكأن لسان حاله يقول: اتركو المبدع في حاله، ينام ويحلم ويعمل. كان يعلق اللافتة أمام غرفته ويذوب في نومه.. عمله.. حلمه .

*
اللاعب الأوكراني شيفشنكو، تشبه حياته الى حد بعيد مسارات حياة ميرو، كما تشبه أهدافه الكروية، ضربات ريشة ميرو. فحسب محللين رياضيين، فإنه كان يلعب من خلال الحلم، فلا غرابة في أن ينسى حقيبته في ملاعب التدريب حين كان طفلا، ويأتي والداه في الليل للبحث عنها. وكان يستطيع -حسب محللين رياضيين كذلك- بأن يلعب ما مقداره أربع مباريات متوالية دون أن يكل. وكان –حسب نفس المحللين- حين يلعب، لا يعنيه هل امتلأ المدرج بمائة ألف متفرج أم أنه كان يلعب وحيدا برفقة أحلامه، وكان كذلك يصرخ معبرا (أتركوني وشأني ... أتركوني أعمل.. أحلم) .