.. كنت كلما زرت مسقط ومع
تعدد فرص الإقامة لدي ـ حيث شباب القرية المنتشرون في
ضواحي العاصمة ـ لا يلذ لي المبيت إلا وسط هذه الفوضى ..
حقل الألغام كما يسميها صديقي ـ بصراحة لم يكن في التسمية
أي قدر من المبالغة ـ فكل ما تتخيله ستجده على الأرض!!
سرير مرتفع وآخر على البلاط ،ثم مئات الكتب تغطي أرض
الغرفة .. جهاز حاسوب محمول على طاولة وحيدة بجانب الباب،و
عشرات الأسطوانات وقوارير عطر رخيصة على المساحة المتبقية
من سطح الطاولة....
مساء الأربعاء نأوي متأخرين إلى الشقة بعد أن نكون قد
تناولنا ما يشبه العشاء بمقهى وحيد في أحد شوارع الحيل.
وكما في كل مرة وهي ليست قليلة بالطبع يصحو كلانا مبكرا
على خلاف أي شابين يقضيان عطلة نهاية الأسبوع في هذه
المدينة.. نلبس ملابسنا كيفما اتفق، بعد أن نكون قد
تناوبنا على الحمام الملحق بالغرفة ثم نخرج.
- الروشةّ!!! يسأل وهو يبدل أحدى الأسطوانات الموسيقية في
المشغل.
- الروشة... أرد موافقا وأنا أنظر إلى لحيتي النافرة
واحمرار بإحدى عيني في مرآة ساتر الشمس أمامي .
ثلاثة انعطافات يسارا وآخران يمينا وها نحن نمرق أمام مركز
المعاقين.. شوراع الخوض خالية سوى من بعض سيارات الأجرة ،
وسيارة نقل غاز كانت تدخل من تقاطع جامع السلطان..
صف الطاولات الممتد من المدخل حتى الساتر الخشبي الفاصل
بين المطبخ وبقية المقهى كان خاليا أيضا كما هو متوقع في
ساعة صباح كهذه...
انفتح المدخل الزجاجي..ها نحن ثلاثة: قلت.. ضيق صديقي فتحة
عينه اليسرى كي يمنع دخول أشعة انعكست من زجاج سيارته التي
أوقفناها أمام المبنى إلى عينيه..
شاب أسمر متوسط الطول يرتدي جينزا أزرق وفانلة حمراء ،
يبدو كمن استيقظ على عجلة من أمره ولم يجد الوقت الكافي كي
يرتب شعره ..المشهد كان يصل عيني من خلال الزجاج العاكس
على الجدار .
اتجه مباشرة إلى طاولة قريبة من المغسلة وجلس..
كنا نتبادل الحديث عن الأنثى التي قد تحدث فرقا في حياة
الواحد منا ريثما يحضِر النادل صحني الفول اللذين كنا قد
طلبناهما قبل قليل.. لم يكن معي بكافة حواسه على غير
العادة.. كان يتبادل رسائل الجوال مع أحدهم أو بالأحرى مع
إحداهن وكنت ساعتها قد خمنت من تكون..
الشاب القريب من المغسلة يحرك أمامه وبشكل دائري صحنا
ناصعا في البياض وضجيج الشارع في الخارج يتزايد بوتيرة غير
منتظمة...
لم ننتظر طويلا.. غمست إصبعي في بقعة زيت الزيتون بوسط صحن
الفول وشطر صديقي قطعة خبز إلى نصفين..
الشاب ذو الجينز الأزرق أخرج مرآة صغيرة وأخذ يحدق إلى
إحدى عينيه بتركيز شديد.. لم يكن أمامه سوى صحن ناصع في
البياض ورزمة من ورق التجفيف كان قد جمعها على شكل كرات
صغيرة..
وضع المرآة على الطاولة ومسح دمعة سقطت من عينه التي كان
ينظر إليها .. أدخل يده وأخرج مشرطا طبيا من جيب بنطاله
الأيمن..تناول المرآة ووضعها أمام عينه التي كان يركز فيها
قبل قليل.. بتوتر وضع المشرط تحت الجفن السفلي.. دون أن
يغمضها أدخله بهدوء حتى توقف.. حركه بشكل دائري حول
العين.. وضع المشرط على الطاولة ومسح بورق المحارم نزيف
الدم من وجنته ثم أدخل ثلاثة من أصابعه في الجرح الذي رسمه
حول عينه.. أغمض عينه بشدة واقتلع رفيقتها بهدوء.. حرك
الصحن الناصع البياض ووضعها في وسطه.. مسح قطرتي دم على
حافته.. أخذ كرتين من ورق التجفيف وأدخلهما في التجويف
الذي كانت تشغله عينه قبل قليل.. دفع الصحن إلى حافة الطرف
المقابل من الطاولة..
نادل المقهى أخرج كيسين أسودين ووضعهما أمام الشاب ذي
العين الواحدة قبل أن يتناول الصحن الأبيض ويدخل به إلى
المطبخ..
حين خرج الشاب كان يضع يده اليسرى على مكان عينه وكانت
الأخرى تدمع بغزارة هذه المرة...