في وقت
كهذا من العام الماضي كنا قد احتفلنا بأقاصي عندما أكمل
عامه الأول، وكنا قد تطرقنا إلى عدد من القاصين لسؤالهم عن
الأحلام، والأماني التي يرونها مناسبة للخروج بملحق قصصي
مغاير ومختلف، فأخبرونا عن الأشياء التي تعجبهم فيه، وعن
الأشياء التي ما تزال بحاجة إلى الكثير من العناية
والاهتمام لنخرج عن النمط المعتاد والمتكرر..
واتجهنا في استطلاع اليوم الذي يتزامن مع احتفائية أقاصي
بإكماله العام الثاني إلى الأسماء ذاتها لنسألها عن
أحلامها وأمانيها هل تحققت أم لا. وهل ما يزال ملحق أقاصي
جديرا بأن نراهن عليه أم ...!!
ذباب على التمر :
في حوارنا السابق مع القاص خليفة العبري كان قد قال لنا :
"أقاصي إضافة غير تقليدية لأنها كسرت النسق المعتاد
للملاحق الثقافية الشاملة"، وأضاف : "لا بد أن يكون ملحق
أقاصي مرجعا للباحثين والنقاد من داخل وخارج البلاد
لانتقاء الإبداع الحقيقي بعيدا عن المحسوبية والشللية".
وعن رأيه في الآلية التي يشتغل عليها الملحق قال:" النقصان
قرين أي عمل نقوم به، ولكني لن أتحدث عن النقصان في عمل
تطوعي من النادر أن يستمر في بلادنا لوقت طويل.."، وعندما
توجهنا إلى سؤاله هذا العام عن أقاصي أجابنا: "لم يعد بتلك
القوة التي بدأ بها في السنة الأولى" وعلق قائلا:"بدأ يفتر"،
وعلل الأمر إلى أنه يرجع لأسباب تكمن في الضغوط الإدارية
حيث قال: "أنا متأكد أن حمود والخطاب مجتهدين" وذكر لنا
حادثة قد حصلت معه عندما أرسل نصه "ذباب على التمر" فرحب
أقاصي به، ولكن النص لم ينشر لاحقا دون أن يبرر أحد السبب
وراء ذلك؟؟
ويرى العبري أن المهمة الصعبة التي تواجه أقاصي الآن تكمن
في كيفية استقطاب أكبر عدد من الكتاب العمانيين في ظل
زيادة الأماكن المستقطبة لعملية النشر، والتي أصبح بعضها
ينافس في مسألة الدفع، وأضاف قائلا: "الدفع المادي وبغض
النظر عن كميته إلا أنه يعني تقدير الجهة التي تنشر للكاتب،
كما يشجعه الدفع المادي أيضا على إكمال مشروعه الكتابي".
ويرى خليفة أن ما يحمد لـ أقاصي أنه الملحق الذي قضى على
الشللية، واستقطب كل الأسماء الراغبة في الكتابة والنشر،
وقال في نهاية حواره معنا: "ينبغي على حمود والخطاب أن
يتواصلا مع الكتاب وأن يوضحا الصعوبات التي تقف في وجه
النشر، وينبغي أيضا أن تعنى الجهة المسئولة عن نشر أقاصي
باحتياجات كتاب القصة".
خارج السرب:
في استطلاعنا السابق مع القاص والروائي حسين العبري كان قد
قال لنا: أقاصي لا تخرج لنا من شرفتها الخاصة وإنما من
شرفات"وأردف قائلا: "إذا أرادت أقاصي أن تحلق قصيا فعليها
أن تحلق خارج السرب"
وفي حديثنا الذي دار قبل أيام قال لي عن أقاصي: "اتضحت
ملامحه، ولكنه لم يتطور، حيث أنه لم يختلف كثيرا عن السابق"
وبعدها فسر كلامه قائلا: "أقاصي نراها مرة واحدة في الشهر،
وهذا ما يجعلها غير مؤثرة في عين المشهد الثقافي لأنها
متباعدة نسبيا" وتساءل قائلا: " لدينا عدد كبير من القاصين
في السلطنة فلماذا لا تكون أقاصي مستقلة ولو لمرتين في كل
شهر؟". داخلته بقولي:" الأمر ليس بسيطا كما تعتقد فبالكاد
تحصل الملاحق على مادتها الشهرية .. فما بالك لو كانت نصف
شهرية". فقال لي : " هذا سؤال حقيقي.. فالقصور ليس من
القائمين على الملحق، وإنما نتيجة عدم مشاركة القاص" وأضاف:
"اعتقد أن الأمر ليس بتلك الصعوبة فيمكن أن يكون هنالك شخص
يهتم بجمع النصوص وخصوصا في ظل وجود أسرة كتاب القصة
النشيطة جدا بفعالياتها المستمرة" وضرب لنا مثالا بسيطا: "القصص
الفائزة في ملتقى صلالة على سبيل المثال لماذا لم تجمع
وتنشر في أقاصي؟" فأجبته: "ربما لأنها نشرت في ملاحق أخرى،
وربما نرى في أقاصي هذا العدد بعضا منها" فقال لي: "هذه
نصوص فائزة ولا ضير من نشرها مجددا لكونها فائزة" وتابع
كلامه: "ألم يكن هنالك نقد قدمه المحكمان في لجنة تحكيم
القصة في الملتقى يعلل على الأقل سبب فوز نصوص على أخرى
... لماذا لم يتم تجميع مادة كهذه وإعدادها للنشر ليستفيد
القاصون منها.. هذا مثال بسيط وهنالك العديد من الكيفيات
التي يمكننا بواسطتها أن نخلق مادة صالحة للنشر" ولكني
عاودت سؤاله : "لماذا يعتقد القاص أن أقاصي ضعيف لوجوده في
شرفات" فأجابني: "لأن وجوده في شرفات يعني أنه شيء ضمن
أشياء كثيرة، وأنه جزء من كل، وليس شيئا مستقلا"
منذ سنة ونصف:
ولكن عندما حاولت أنا والعبري أن نقترب من الخلل في مسألة
العجز في كمية النصوص المنشورة ومستواها أيضا إذا كنا نسلم
أن لدينا قصاصين جيدين وعددهم ليس بالقليل.. فقد تساءل
العبري : "هل يكمن الخلل في عدم وجود نتاج كاف، أو أن
المشكلة في عزوف القاصين عن الكتابة، وهل الامتناع هو ردة
فعل، أم أنه خيار شخصي.. أم ماذا بالضبط" وقلت له: "شكرا
لأنك فتحت في رأسي فكرة جيدة لاستطلاع آخر عن: كم ينتج
القاص العماني من أعمال قصصية في السنة الواحدة؟" فشجعني
كثيرا على الفكرة، ضحك وهو يقول: "في الحقيقة .. أنا نفسي
لم اكتب منذ سنة ونصف لظروف تتعلق بدراستي.
لم يتغير كثيرا:
كانت أحلام الكاتبة والقاصة أزهار أحمد كبيرة منذ عام
عندما تمنت أن ينتشر الملحق بشكل أكبر، وأن تتنوع المادة
المقدمة، وأن تتاح المساحة لكتاب غير عمانيين لتبادل
الخبرات مع الآخر، وأن يكون هنالك اهتمام بطرح الدراسات
النقدية في القصة العمانية، وأن يتم التركيز على الترجمات
الكلاسيكية والحديثة لمترجمين من مختلف أنحاء الأرض.
وعندما توجهنا لسؤالها هذا العام عن أحلامها قالت لنا:
"أعتقد أن أقاصي لم تتمكن من تغيير مضمون المادة المنشورة
بالقدر الذي كنا نتمناه كمتابعين خاصة بالنسبة لفكرة الأدب
العالمي وطرح مواضيع نقدية خارج نطاق ما يقدم أثناء نشاطات
أسرة كتاب القصة"، وأردفت قائلة: "أرى بما أن الملحق له
بصمة واضحة ويحظى باهتمام الجمهور فيجب أن يكون الاشتغال
أكثر تنوعا وأكثر عالمية" وتمنت لأقاصي أن يكون الأفضل
دائما بصفته الوجه الآخر - بحسب قولها - الذي يقدم إنجازات
الإبداعات القصصية والذي يحتاج إليه كل المهتمين والمبدعين
والمتلقين.
الأضلاع الثلاثة:
وفي بداية حديثنا إلى الشاعر عبدالرزاق الربيعي قال: "أولا
أبارك لأسرة تحرير ملحق أقاصي دخوله السنة الثالثة بعد
سنتين حافلتين بالعطاء الإبداعي، وهذا العطاء أثرى المشهد
القصصي العماني وأحدث حراكا واضحا، فصار موعدا ورقيا
شهريا يجتمع تحت خيمته القصاصون، يناقشون همومهم ويعمقون
وعيهم بالكتابة السردية، وبهذه المناسبة أحيي القاصين
المبدعين: حمود الشكيلي والخطاب المزروعي وأيضا أحيي
القاص سليمان المعمري رئيس أسرة كتاب القصة، فهؤلاء أضلاع
المثلث الذي على أركانه يقوم العطاء وبالطبع لا يمكن أن
أنسى كل المساهمين به، فبأنفاسهم يستمر ويواصل تألقه"، ومن
أماني الربيعي التي طرحها في السنة الماضية: "جاء ملحق
أقاصي ليؤكد وجود حراك قصصي، ولكي تقول القصة العمانية أنا
هنا، ولكني أتمنى أن يأخذ مساحة أكبر من المساحة التي
يأخذها في شرفات الآن، وإذا كان ذلك صعبا فيمكن إسناد
مساحة أسبوعية تهتم بالشأن القصصي في الجريدة، ينقص أقاصي
البحث عن جذور القصة العمانية وتقصيها وتدوين تاريخها
والاحتفاء بأبرز علاماتها". وفي حوارنا معه هذا العام
أخبرنا أن أحلامه كبرت مع نضج التجربة، وأضاف قائلا:
"كنت أتمنى بدلا من زيادة الصفحات أن تخصص جريدة عمان
ملحقا خاصا من 8 صفحات تابلويد، يتم إخراجه بطريقة شبيهة
بإخراج ملحق "قراءات" الذي يحرره الزميل أحمد شافعي، فهذا
يعطي الملحق خصوصية واستقلالية ولا أظن أن مؤسسة كبيرة
كمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان عاجزة عن تحقيق هذا
الحلم. خصوصا أن الأرضية أصبحت ملائمة جدا والمادة موجودة
والحماس موجود والنجاح في تواصل".
وأخبرنا الربيعي أن إحدى أمنياته قد تحققت وهي تلك الأمنية
المتعلقة بالبحث عن جذور القصة العمانية و الاحتفاء
برموزها حيث قال: "أجرى الملحق حوارات عميقة مع أبرز رواد
القصة العمانية وكان للملحق السبق في إجراء حوارات مع
القصاصين العرب ممن يزورون السلطنة لمد جسور التواصل بينهم
وبين القصاصين العمانيين"، وأضاف الربيعي: "أحيي الزميل
القاص سليمان المعمري على تغطياته الجميلة لفعاليات أسرة
كتاب القصة، وتركيزه على النقاشات التي تدور على هامش
الأمسية والتي غالبا ما تزيح المتن بما ترد بها من أفكار
ورؤى واستنطاقات للضيوف، وأتمنى أن يواصل هذا المشروع
تألقه وكل عام والقصة العمانية بألف خير".
مجلة فصلية:
وقبل عام كان القاص نبهان الحنشي قد تمنى أن يرى أقاصي
مستقلا بجلدته، وأن لا يكون تابعا لملحق آخر حيث قال لنا:
"الملحق ليس مجرد ضيف مزعج يطل علينا كل شهر بل هو نافذة
قادتنا للتعرف على العديد من الأسماء التي لم يتح لها
الظهور من قبل". فهو يرى أن لـ شرفات دورا مستقلا ومنفصلا
عن أقاصي وعلق قائلا: " ولا أقصد التقليل من شأن شرفات".
وفي السنة الجديدة أخبرنا قائلا: "ما زال أقاصي هو النافذة
التي تشرع أبوابها على مساحات الإبداع كل شهر، ليس لأنه
أقاصي، ولا لأن القائمين على إنجازه وتقديمه هم من أهل
البيت الأدبي، ولكن لأن مساحة واسعة منه تعني بالإبداع،
ولا تسمح لظرف ضيق الوقت أو عدم وجود حيّز النشر بإعاقته،
فهو اليوم قبل أي يوم مضى الأرض الخصبة المثمرة" وتابع
قائلا: "ولكن - وهنا لا أقصد من ذكر الكلمة الثقيلة "لكن"
لإلغاء ما سبق بل لتأكيده - حين يتأخر استقلال هذا الملحق
الذي يبدو أنه سيبقيه طوال وقت صدوره ملحق باسم "التابع"
أو "المرفق"، وكأن مساحة الإبداع ضاقت، وطوابير المبدعين
من كثرتها ما عادت تتسع لظهور أقاصي مستقل ولو مرة في كل
شهر" وتساءل قائلا: "هل هناك اختلاف حقا بين أقاصي 1
وأقاصي 24 سوى في طريقة كتابة اسم الملحق؟
وأضاف الحنشي أيضا: "قارب الإبداع لا يكفي أن يتولى دفته
اثنان، فأنا ومع احترامي لصديقي العزيزين حمود والخطاب،
أرى أن عملية الإدارة والإخراج والتحرير، لا بد أن تتضمن
عددا أكثر، ليس فقط من الآراء، ولكن كذلك العاملين على
إنجازه حتى يستطيع الملحق المرفق التنوّع والتبدل في طريقة
الطرح والتقديم، والتنويع كذلك إن أمكن" ويضيف الحنشي
قائلا: "بما أن مضمون ثلاثة ملاحق على ثلاثة شهور، ليس
بتلك الغزارة سواء في الأعمال أو الأسماء، فلماذا لا يتحول
أقاصي لملحق فصلي، ولماذا لا تقوم بعض المؤسسات الرسمية
المعنية بالثقافة سواء الإعلامية أو النادي الثقافي أو
غيرها بإعطاء هذا الجانب اهتماما أكثر، أعتقد أن الملحق
الفصلي أو المجلة الفصلية، ستتيح نوعا من الأريحية في
التقديم، فهناك النص القصصي والقراءة النقدية والدراسة
الأكاديمية والمقتطفات، وما يحلو تقديمه وتبويبه، دون وضع
هم عدم اتساع المساحة أو عدم كفاية الصفحات، ونجد أمامنا
في نفس الوقت كذلك مجلة فصلية متخصصة، تطال كل أراضي الوطن
العربي".
من شرفات إلى النادي أو الوزارة.
" ليس من العافية أن يكبر الورم" هكذا ابتدأ القاص خالد
عثمان حديثه معنا في السنة الماضية، ثم أردف: "من الضروري
أن لا يكون عمل أقاصي عمل أفراد وإنما عمل جماعة، وينبغي
على أقاصي أن يبتعد عن المركزية، وأن يتعاقد مع عدد من
الأسماء، فالمشروع الثقافي بحاجة إلى تخطيط واستراتيجيات
طويلة الأمد"، ولم يختلف كثيرا كلامه في هذا العام عن
العام السابق حيث قال: "لم أكن في يوم من الأيام أراهن على
أقاصي أو على أي ملف يخرج من أوراق شرفات. مراهنتي الوحيدة
كانت على أعمال مؤسساتية متخصصة، ولكن القائمين على هذه
الملفات تطوعا يشكرون على جهودهم الفردية"، وأردف قائلا:
"أتمنى أن يتحول أقاصي الملف المحشور وسط صفحات شرفات إلى
مجلة شهرية تديرها أي مؤسسة ثقافية مثل النادي الثقافي أو
وزارة الثقافة، وبمحررين مثقفين من جمعية الكتاب مع كادر
تشكيلي، ومع وجود دعم مادي جيد تحت ما يسمى بـ "الاكتتاب".
استفزني أن الجميع كان يلقي بتهمة أي خلل في أقاصي على
شرفات لذا عمدت إلى سؤاله ذات السؤال الذي سألته لـ حسين
العبري : "لماذا يبرر المثقف أن سبب ضعف أقاصي هو شرفات،
وهل خروجه من شرفات سيمنحه قوة" ؟ فأجابني: "الإشكالية
ليست داخل أو خارج شرفات. فالموضوع أكبر من ذلك. لا بد من
الاستقلالية والتفرد والإضافة إلى المشهد الثقافي عامة
والقصة القصيرة خاصة لأن هذا الفن أصبح له أتباع ومريدين
وعشاق ومساحة جيدة في المشهد فمن الضروري والطبيعي أن تكون
للقصة العمانية المعاصرة مجلة خاصة تمثلها وتمثل صوتها
المميز.
لا نريد الانفصال وإنما الاستمرار:
وبما أن أغلبية المشاركين معنا أجمعوا على أن الإشكالية
الكبرى تكمن في كون أقاصي ملحقا ملتصقا بملحق شرفات فقد
اتجهنا إلى حمود الشكيلي لسؤاله عن ذلك لكونه على تماس
مباشر مع جهة النشر فقال لنا: "سأبدأ من آخر لقاء جمعنا
برئيس النادي الثقافي الأخ سالم المحروقي حيث أن الأصدقاء
الحاضرين انطلقوا في بداية حوارهم بالحديث عن ملحق أقاصي"
وأضاف: "لقد توجهت بسؤال رئيس النادي عن سبب قطع مكافأة
أقاصي وأفاد أنه علق المكافأة بسبب الظروف المادية التي
يمر بها النادي الثقافي". وأخبرنا الشكيلي عن رأيه الشخصي
في ذلك:"أنا أرى أن معاناة أقاصي لا تكمن في ضرورة انفصاله
عن شرفات وإنما في كيفية استمراره. فالانفصال سيترتب عليه
مبالغ مالية كبيرة ويبدو أن الجريدة غير مستعدة للدفع،
فأنا مع حلم الأصدقاء ولكن هذا الأمر ليس ورطة كبيرة،
فالورطة العظمى تكمن في عزوف كتاب السرد عن أقاصي فبهذا
أرى أن اكتفاء القاصون بإعادة فكرة الانفصال للسنة الثانية
على التوالي ليست ذات نفع كبير. فما نريده منهم هو دعم
أقاصي بموادهم وآرائهم التي قد تعود بالنفع على الجميع".