شرفات....

حراك المناهج بين "سلطة النص" و"ثقافة الناقد"
رؤية في كتاب "تجليات الإبداع في الشعر السلوكي العماني"
قراءة وكتابة د. محمد مدني

يوجه الباحث دعوة إلى الباحثين العرب المتمكنين من المناهج الجديدة، وآلياتها، ونظمها وأدواتها، وبخاصة المناهج الثقافية التحليلية، واللغوية واللسانية، طالباً منهم أن يختبروا هذه المناهج ويجربوها، داعياً إياهم لأن تتكاتف جهودهم، وأن يقودوا البحث بما توفر لهم من مناهج وأدوات جديدة نحو هذه الآفاق الرحبة، وأن يثابروا وينظروا في الطرائق الإجرائية الملائمة التي تمكن مقارباتهم المتنوعة من التوغل في النص العربي بعامة والنص الشعري السلوكي بخاصة، علها تمكنهم من طرح تفسيرات مقبولة وصحيحة عن طبيعة النص ووظيفته، كما تيسر لهم التفاعل مع إحداثيات النص وشبكته المتفرعة تفاعلاً ثقافياً يتصف بالرهافة النقدية والوعي الفكري الصحيح؛ من أجل صياغة النظرية الأدبية المناسبة لهذه المدونة العربية الإسلامية..
لهذا لم يتوقف المؤلف عن ترديد دعوته عبر مواقع البحث وأقسامه، كلما سنحت له فرصة منهجية لذلك؛ فجعل منها مدخلاً للكتاب، ثم أكدها بالتطبيق النقدي الإجرائي في متن
البحث وأقسامه، ثم ضمنها في نتائج الدراسة وخلاصتها.. وختم بها كتابه.. إنها في حقيقة الأمر جوهر خطابه النقدي، وقد بسطه في صورة "بيان" يتضمن "دعوة"..
يقول في دعوته:
( إن بناء نظرية إسلامية للشعر السلوكي، وانطلاقاً من معايشتنا، ينتظر من الباحثين المتمكنين من المناهج التحليلية، واللسانية، واللغوية بعامة جهودا لن تكون مضنية إذا قادت البحث نحو آفاق رحبة، ومفاجئة وجديدة، تخترق النص وتتفاعل معه ثقافياً وإسلامياً ولغوياً، ولا شك أننا واجدون ما يغني البحث ويكشف عن نص لم يتم الكشف عنه، خصوصاً عند رواد المدرسة الشعرية السلوكية في عمان...)
على هذا النحو يعلن الكتاب عن رؤية الناقد في ختام المقاربة، ويفسر تصوراته وتطلعاته، ويظهر ثقافته إزاء قضية المنهج على نحو أعمق وأدل، ويعلن عن طموحاته في ظل بناء "النظرية".. لم تعد القضية الآن قضية المنهج التاريخي التقليدي وكوارثه على حد تعبير الكتاب إنه الآن خطاب الدائرة الأوسع "النظرية" التي ستدعم رؤيتنا للمدرسة وإنتاجها الفني، ونحن في حاجة ماسة لأن تظهر لنا مثل هذه النصوص والمدونات مصحوبة بدراسات متطورة، أو على الأقل لديها الرغبة في تعديل هذا المشهد النقدي الفقير، حتى لا تظل عيوننا معلقة على أسمال منهج وحيد لفهم ظاهرة (الأدب)، بينما العالم يقرأ النصوص الفنية بمنظومة النقد الثقافي الآن! فهذا حقاً كارثة.
إن السؤال البسيط الذي أظنه يحمي هذه الدعوة ويدافع عن حقها، والذي سيجذب لها جهود الباحثين المتخصصين هو: لماذا نحرم إنتاجنا الأدبي -الذي نفتخر به كثيراً- من الرؤى النقدية المعاصرة؟ لماذا نسجنه في خزانة النزعة التاريخية ودولاب "التاريخ"، بينما المناهج الجديدة وقد أفادت-بصورة أو بأخرى- من معطيات المنهج التاريخي، والمتجاوزة له، متاحة على قارعة المشهد النقدي.؟!
أظنها دعوة في محلها، وفي توقيتها، إنها خطوة من أجل نظرية طال انتظارنا لها. ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.

حراك نقدي جديد

هل يحق لي أن أذهب في رؤيتي هذه إلى أن الدعوة المنهجية "المحنكة" التي أرسلها "السليمي" عبر خطابه النقدي في كتاب "تجليات الإبداع" تكشف لنا عن حراك منهجي جار في ساحة النقد الأدبي في سلطنة "عمان"؟ وهل يصلح قولي: إنها تدشن لحركة إحلال وإبدال في المناهج النقدية المتداولة في مختلف مجالات واتجاهات النقد الأدبي العماني في المرحلة الراهنة؟ وهل يصدق حدسي -الموضوعي- بشأن ما تكشفه من شغف واضح لدى الناقد العماني المعاصر في تداول ما يمكن تداوله من مناهج نقدية حديثة مناسبة، لعلها تساعده على قراءة إنتاجه الفني وتحليل خطابه الثقافي؟!
نعم يحق لي أن اذهب إلى كل هذا، وربما أبعد من ذلك، وكتاب السليمي وثيقة دالة على صدق ما أذهب إليه. ومن حقنا كنقاد ننتمي إلى الثقافة العربية أن نفكر لأنفسنا، وأن نعمل لصالح نصوصنا بصفتها حيزاً مهماً من ثقافتنا، فلن يفكر لصالحنا أحد، ولن يخدم ثقافتنا غيرنا .. وعلينا أن ننقب عن المناهج التي يمكنها تقديم القراءة المأمولة التي تساعدنا على فهم النص على نحو صحيح، وتمكننا من الوقوف على كافة المعطيات الجمالية والفكرية التي شكلت تجليات هذا النص. لا سيما مع نصوص شعرية غير تقليدية على هذا النحو، وإنتاج هائل ومتنوع، يسمح لنا –إن لم يكن يلزمنا- بأن نضعه في رتبة (النوع الأدبي) المستقل.
هذا ما قد تكشف عنه النظرية .. وهذا طموح آخر.. أيتها القراءة.
إن الحراك النقدي الذي يدشن خطاب السليمي له، ويكشف عن بعض مساراته في آن، حراك ناهض، لم تتحدد كافة ملامحه وتفاصيله بعد، وهذا أمر منهجي ومنطقي، فهو لم يزل في مرحلة البحث عن بناء النظرية. ومثل هذه التحولات المنهجية والتطورات الفكرية التي تفرز لنا التيارات النقدية وتخط مساراتها -وما يشابه ذلك من مشاريع ثقافية طويلة الأمد- تحولات لا تحدث طفرة بين عشية وضحاها ولا تولد في يوم وليلة، بل تحتاج إلى سنوات وسنوات من البحث والتشكيل والتجريب النقدي، ومن تعدد القراءات، وتنوع القراء ومناهجهم في التحليل، حتى ينضج الحراك ويؤتي بأكله.
وقد أتفق مع المؤلف تماماً حول أهمية تكامل المناهج الجديدة، وضرورة تضافر جهود الباحثين المتخصصين في اللسانيات واللغويات ومناهج الأسلوبية والبلاغة المعاصرة الموجهة لدراسة هذه المدونة -أو غيرها- حتى يتضح بناء النظرية المنشودة، لكن الأمر -وفق رؤيتي وتصوراتي- يحتاج إلى مظلة نقدية أكثر اتساعاً من مجرد الدعوة للتجديد النقدي، أو النداء بالتخلي عن حدود المنهج الواحد، العاجز بالضرورة عن استيعاب فكرة المدرسة والدفاع عنها، بل إن واحداً من المناهج الجديدة التي سعى بها بعض النقاد لمقاربات أكثر موضوعية مثل (المنهج التكاملي) أو (المنهج التوافقي) أصبح جامعاً في جعبته لكثير من النظم المتعاونة على قراءة النص، وصار أكثر انفتاحاً عما كان عليه قبل اقل من نصف قرن. وهذه إحدى إشكاليات هذه المرحلة من النقد في مشهده العالمي، ومن هنا كان توجه النقاد الرواد المؤسسين لما نطلق عليه نحن نقاد اليوم مصطلح (النقد الثقافي).
لقد عكست آليات الحراك النقدي القائم في "تجليات الإبداع" طبيعة توجهات الناقد وثقافته، ونلاحظ أن المؤلف ينطلق في تنفيذ بحثه هذا من تصورات منهجية أصولها مستمدة من مصادر مختلفة حديثة ربما من أهمها تعديلات "النقد الجديد" الأنجلو- أمريكي، وتوابعه، كما يتكئ على بعض النظريات الشكلية ومعاييرها التي تقف بجوار سلطة النص الأدبي، وتدعمها، وتعمل على إضاءة النظم الجمالية المعتمدة في التشكيل الشعري، وتؤسس لها. ويبدو ميله أكثر تجاه الأنظمة البنيوية للنص، وقد يأخذ حتى بالمنهج التاريخي الذي قد يهاجمه في موضع آخر! فهذا جائز، وهو حق من حقوق الناقد الذي يتوسل بالمنهج لإثبات النتائج. لكنني لا أظن أن مستقبل مشروع السليمي النقدي سوف يتوقف عند حدود هذا المنهج أو ذاك فقط، بل إن منهج "تجليات الإبداع" ذاته يبشر بهذا الحراك، ويوحي بالانفتاح المعرفي وبهذه التعددية المنهجية؛ فالإشارات الثقافية العديدة التي يستخدمها في هذه الدراسة تحديداً، وتصوراته المنهجية لأهمية سير شعراء السلوك، وتعقبه لمحيط دائرة إنتاجهم الأدبي في تلك المدونة، والزاد الثقافي وتتبع دلالاته في تفسير النص، ونظم القراءة والتلقي الثقافي لهذا الشعر مقارنة بغيره من أشكال الشعر الأخرى، واهتمامه بالمعجم الشعري ودالته الثقافية، ومدى تأثيره الجمالي في بناء القصيدة، وتفعيل إيقاعها، وسعيه الجاد وراء "المصطلح السلوكي"، ناهيك عن الحقول الثقافية التي خوض فيها بغرض الكشف الدلالي عن أبعاد المصطلح، وتطوره الدلالي السلوكي .. كلها إشارات تصرح بكثير من الحراك النقدي لدى هذا الناقد الجاد.
ولو أردنا أن نضرب مثلاً واحداً على زعمنا هذا فلنتخذ مما قدمه الناقد في الفصل الثاني من الباب الثاني دليلاً (البنية المعجمية بين المواضعة اللغوية والمواضعة السلوكية) فهذا فصل مهم ومؤثر في سعي الناقد وجهوده لاستكمال بناء النظرية، لأنه يكشف لنا مساحات التحول والاختلاف بين المواضعة اللغوية والسلوكية، ويحدد المسافات التي على الباحث أن يقطعها في تفسيره، ليدرك التغيير الحاصل، ولا سبيل إلى ذلك يا سيدي من دون الاستفادة من معطيات (النقد الثقافي) ليحدد لنا الفروق بين المعجم والنص، ويفسرها. لكن الدكتور السليمي يريد أن يختبر صحة النظرية وفرضياتها، وقد يأتي هذا على حساب تمام المنهج أحيانا. وذلك يفسر لنا مثل هذه الإشارات والتوجهات التي يحملها الكتاب. مع العلم بأنها لو جرت في سياقها المنطقي التصاعدي، سوف تتطلب في دراسات أخرى الاستعانة بمناهج أخرى، كما أن الرغبة في الكشف عن تجليات نصوص هذه المدرسة أمر يتطلب -كما أشار السليمي نفسه- لتضافر المناهج وتكامل نتائج تحليلاتها ودراساتها المعمقة، حيث يرى ذلك أساساً لبناء (النظرية)؛ وهذا ما قد يدفع بقراءات الدكتور "السليمي" -النظرية منها على الأقل- في المراحل المقبلة إلى المضي نحو قمم أبعد من حدود تصورات البنيوية، وقوالبها وقيودها، سابقة التجهيز أحياناً، والذهاب إلى قضايا أبعد من رصد البنى المعجمية والمواضعة -اللغوية أو السلوكية- التي قد تعتمدها الصياغات التركيبية للنص الشعري، وهو مطالب في الوقت ذاته أن يتجاوز بقراءاته النظريات النصية، أو يستفيد بما وجه لها من نقد. وقد يدفعه ذلك إلى تأمل بعض هذه النصوص -وغيرها- ومعالجتها في ضوء مناهج أخرى جديدة.

"شعر السلوك" و"النقد الثقافي"

إن السمة الأساسية التي قد توضح جهدنا النقدي المعاصر تجاه كافة منتجاتنا الثقافية المميزة لهويتنا، هي قدرتنا على أن نكون أبناء حقيقيين لعصرنا ولثقافتنا، أن نستفيد من منجزات عصرنا ومعارفه، وأن ننفتح -بلا خوف- على آفاق المعرفة، التي ذهبت بعيداً مع تحولات القرن العشرين المذهلة. وليكن مثالنا في ذلك أسلافنا وشيوخنا الشجعان؛ الذين أثبتوا بجهودهم وعطائهم قدرة ثقافتنا العربية الإسلامية على هذا الانفتاح. وهي رغبتنا التي تؤكدها القدرة على توسيع مجال رؤيتنا ومصادرنا المعرفية المسؤولة عن هذه الجهود، والمحركة لطموحاتنا النقدية وتصوراتها. لعل هذا يحقق الدرجة ذاتها من الانفتاح لقرائنا الذين سيتواصلون مع النصوص المنتجة ومع تفسيرنا النقدي لها، ذلك إن أردنا -لنا وللقارئ- مزيداً من الفهم لطبيعة هذه المنتجات، ونظم إنتاجها المشرعة دوماً على كافة المعطيات الثقافية المشكلة لها، ولو أردنا إدراك كم الوظائف الحقيقية والمتباينة المنوطة بها، والتي كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر في إنتاجها، بما في ذلك الوظائف الثقافية بالطبع.
أما آفاق المعرفة التي يجب أن ننفتح عليها، فهي أفاق غير محدودة بأرض، ولا هي سجينة لمعيار زمني بعينه، وغير مقيدة بقانون علمي بذاته، أو منهج نقدي بعينه، قد يستوجب علينا -في ظله- استبعاد غيره من المناهج التي قد تساعدنا على فهم مثل هذه النصوص الثقافية وتحليلها. وأما المناهج التي يجب أن نتوسل بها لفهم النصوص، فكل المناهج على قدم المساواة بقوة وجودها، لكنها تتباين وتختلف بفضل تعاملنا نحن النقاد معها، وبتأثير من أغراضنا المرجوة منها، وتصوراتنا لها؛ فذلك ما قد يشي بقوة نتائجها مصداقيتها. وثقافة الناقد ذاته كما سبق وأشرت مسؤولة أيضاً، عن اختيار النص الدال، ونظم معالجة الظاهرة محل المقاربة، ومسؤولة عن اختيار المنهج الملائم، بما يعني دائما ووفق شروط المنهجية، اختيار المنهج الأكثر انفتاحاً على النصوص، والأقدر على تفسيرها، وتحديد مواطن رفعتها الفنية. ولذلك يبقى وعي الناقد بمهمة البحث عن مناهج جديدة للمقاربة مسألة حتمية، وسعيه وراء المنهج المستخدم في المقاربة رهن بإمكانات هذا المنهج وقدراته في الانفتاح على النص، المنفتح بدوره دائماً على ثقافته، بصفتها بوتقته الحاوية والمنتجة له.
ولا ريب أن الشعر السلوكي ومدوناته المتنوعة في الثقافة العربية بعامة تعد أنموذجاً حاضراً ومفعم الدلالة على مدى انفتاح النص العربي لاسيما تكوينه الثقافي – التكوين الفني جزء من التكوين الثقافي- على فضاءات رحبة، وآفاق روحية لا يحدها حد، وعلى مكونات فنية تراثية لا تنضب ولا تختفي، ومدونته في نهاية الأمر هي تعبير إنساني منفتح على أسرار الحياة والوجود الإنساني. والنص الشعري السلوكي هو في حقيقته (نص ثقافي شامل)، تتشكل فسيفسائه الفنية من مكونات لا حصر لها، وهي نصوص مركبة تركيباً ثقافياً خاصاً حتى في بنائها اللغوي، وقاموسها الشعري الاصطلاحي، نصوص تجمع بين الدين وقيمه السماوية العليا، والأدب فنونه وهمومه الإنسانية، بين وجود الإنسان على الأرض ونزوعه نحو السماء .. وهي نصوص تفصح في ظل رقيها الفني وتشكيلها الجمالي عن نمط الثقافة المنتجة لها، وطبيعة الفكر الذي يعمل على صياغتها وتشكيلها، وقراءة هذه النصوص وطرائق محاورتها يجب أن تستمد أسسها وقواعدها من النص ذاته، فهذه حقيقة أساسية تعلمناها منذ وضع "أرسطوطاليس" أول كتاب عرفته البشرية في نقد فن الشعر وإن تباين نوع الشعر. لذلك فإنني أظن أن انفتاح مناهج "النقد الثقافي" قد تتوافق بأدواتها وإمكاناتها الثرة ووعودها المرجوة مع انفتاح مدونات الشعر السلوكي في الثقافة العربية، ولعل ذلك يساعد جهودنا ومتابعاتنا العلمية
المهتمة بالكشف عن نصوص هذه المدونة والتنقيب فيما تزخر به كنوزها المطمورة من نماذج أدبية رفيعة المستوى، ليس بغرض عرض هذه الدرر الفنية المطمورة، والتعريف بها فقط، أو تاريخيا في ضوء القراءة التاريخية للنص فقط، كما هو الحال مع أغلب إنتاج هذه مدونة بل ومحاولة مقاربتها مقاربة منهجية منفتحة ومتطورة ووافية الشروط، لنكشف عن مقدار تميزها وخصوصيتها الفنية وقيمتها الجمالية.. مستفيدين في ذلك بما هو مناسب ومتاح في حقل النقد الأدبي في مشهده المعاصر من طرائق متطورة، ومناهج منفرجة زواياها النظرية والإجرائية على معطيات الحقول المعرفية الأخرى، ورؤى نقدية جديدة معمقة ومتسعة الرؤية، وأدوات بحث غير مستهلكة، ومفاهيم متجاوزة الدرس التقليدي للأدب نتيجة لاطلاعها على وتفاعلها مع أهم المتغيرات المعرفية المتسارعة التي يعايشها المشهد النقدي العالمي منذ النصف الثاني من القرن العشرين..
لذلك سيبدو الأمل ورهان المستقبل في هذا المشهد المتغضن وقفاً على المخلصين من النقاد القادرين على الأخذ بناصية التجديد المنهجي لتحقيق الحراك النقدي المرجو، والدفع بدماء شابة جديدة في عروق هذا المشهد حتى يعود له النبض، وذلك لن يتحقق إلا بالاستفادة الواعية من المعطيات المناسبة المطروحة في المشهد النقدي العالمي، والتفاعل الحر مع منجزاته.. لعل مثل هذه الجهود التي تحتاج في حقيقتها لمدرسة نقدية كاملة قد تتمكن مرة من سبر أغوار هذه "المدونة الثرة" التي لم تبح بكل أسرارها بعد، ولعلها تكشف وتفسر لنا شيئاً جديداً من تجليات نماذجها المدهشة، التي لم تزل بعضها إما مجهولة مهملة، ومن ثم فهي تحتاج منا إلى بذل مزيد من جهود البحث والتنقيب والتحقيق، وإما "مستغلقة" تثير من التساؤلات في كثير من جوانبها الفنية والفكرية أكثر مما تمنح من أجوبة؛ ومن ثم فهي تتطلب مزيداً من التحليل النقدي للإبانة عن خصائص وأسرار تجليات هذه المدونة..
ومادام المشهد يبدو هكذا.. وجب علينا نحن النقاد أن نحتفي حينما يخرج علينا واحد منا بمقاربة واعية وجهد نقدي مميز يسعى إلى كسر رتابة هذا المشهد.. ويرغب في تجاوز شتاته وفقره وتغضنه.. ووجب علينا أن نمعن النظر فيما يطرحه من معالجات، وما يستخدم من منهج، وما يستخلص من نتائج، وما يثيره من أسئلة لاسيما لو كانت تتجاوز حدود المقاربات النصية الضيقة أو نقد تجزئة النص وشكلانيته الموحشة ساعية إلى مقاربة ثقافية عربية.. فالأمر يستحق..

حاشية:
من باب الصدق الذاتي –والموضوعي إن شئت ذلك- أعترف بولعي المبرر وتعلقي بمدونات شعر السلوك في الثقافة العربية، ونثر السلوك كذلك، وأشعر بتقصيرنا نحو هذه المدونات التي لم تنر دربها غير المحدود دراساتنا النقدية بعد. وقد جاء هذا الكتاب ليضيء جانباً مهماً من طبيعة هذا الإنتاج.. جانب مهم كان ينقصني.. لقد حلق بي هذا المؤلف خلال ربيع 2008 في أجواء لها سحرها وصفوها الروحي .. وتوافقت كل الظروف والأجواء لأضم إلى مكتبتي صفحة عمانية خالصة في غلالة روحية رائقة.


تجليات الإبداع في الشعر السلوكي العماني
تأليف: د. محمود بن مبارك السليمي
الناشر: وزارة التراث والثقافة 2007