لصلاح عبد الصبور. آخر
شعراء مصر الكبار بيت من الشعر. يقول فيه: يا موتانا.
ذكراكم قوت القلب. فى زمن عزت فيه الأقوات. قال صلاح عبد
الصبور هذا الشعر فى زمن لم يكن قد أطلت فيه محنة الطوابير.
ابتداء من رغيف الخبز. حتى سيخ الحديد. وما بينهما قائمة
طويلة من الطوابير. أخشى أن نصل ليوم. ما أن يشاهد المصرى
طابوراً يحجز مكاناً فيه أولاً. ثم بعد أن يستتب فى مكانه.
يسأل عن السلعة التى تباع. أبعدتنى هذه المقدمة عن هدفى من
الكتابة عن الدكتور رؤوف عباس حامد. والدكتور عبد الوهاب
المسيرى. وهذا طابور آخر من موتانا. توفى الله رؤوف عباس
فى اليوم التالى لوفاة سامى خشبة. مات فى مستشفى القصر
العينى الفرنساوى. ثم رحل عبد الوهاب المسيرى فجر الخميس
الماضى. فى مستشفى فلسطين. ونحن نكتب كثيراً عن الموتى
الآن. وفى حقيقة الأمر نحن نكتب عن أنفسنا. تحت وهم أننا
نكتب عنهم. إنها أنانية الأحياء حتى فى مواجهة الكتابة عن
الموتى. عرفنى على رؤوف عباس. الدكتور يونان لبيب رزق.
وعندما زرت اليابان ورفض اليابانيون الاعتراف بالبعثة
اليابانية التى زارت مصر فى منتصف القرن التاسع عشر. من
باب إثبات أن اليابان استعانت بمصر. وأن مصر سبقت اليابان.
وقد أمدنى الدكتور رؤوف بالصورة النادرة للوفد اليابانى
وهو يقف مرتدياً الكيمونو اليابانى تحت «أبو الهول». وقد
قوت الصورة من موقفى كثيراً فى مواجهة الإنكار اليابانى
للدور المصرى فى النهضة اليابانية. له كتاب شديد الأهمية
مقارنة تاريخية عن المجتمع المصرى. فى زمن محمد على
والمجتمع اليابانى فى عصر ميجى. الذى لعب دور المؤسس فى
تاريخ اليابان الحديث. وثبت فى هذا الكتاب أن مصر تقدمت
على اليابان تاريخياً. وعندما صدرت ترجمته لكتاب نيللى
حنا: شاهبندر التجار. سيرة الشيخ أبو طاقية. أهدانى نسخة
من الكتاب. ولفت نظرى إلى أن هذا الكتاب النادر فيه مادة
خام. يمكن أن تصلح أساساً لنص روائى تاريخى. ثم وجدت على
أسوار الكتب القديمة. نسخة من كتابه عن تاريخ الطبقة
العاملة المصرية. وكانت له دراسات كثيرة. أكثر من مهمة. عن
تاريخ مصر الحديث. كان يحلم بإخراج مشروع تاريخى عن معجم
تاريخ مصر فى القرن العشرين. ولكن الموت سبق القاموس إليه.
أما عبد الوهاب المسيرى. ورغم أننا بلديات. فهو إبن
دمنهور. وقريب عبد المعطى المسيرى. صاحب مقهى المسيرى.
الجامعة الشعبية التى لولاها ما عرفنا طرقنا ودروبنا فى
تلك السنوات البعيدة بمدينة دمنهور. وأنا جئت إلى دمنهور
أولاً. ثم القاهرة ثانياً من قريتى الضهرية. مركز إيتاى
البارود. محافظة البحيرة. لكن رغم تشابك الجذور هذا.
وتداخل الأمكنة. إلا أن اللقاء الأول كان فى القاهرة.
قابلته فى مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل. لكن المرة التى
تكلمنا فيها كثيراً عندما اشتركت معه فى ندوة عن جمال
حمدان. فى العلاقات الثقافية الخارجية فى وزارة الثقافة.
ضمن احتفالات بصدور ترجمات إنجليزية وفرنسية. لكتاب عمره
الموسوعى: شخصية مصر. دراسة فى عبقرية المكان. كنت بدون
سيارة. وعندما لمحنى بعد الندوة. أقف فى الشارع بحثاً عن
تاكسى. عرض علىّ أن يوصلنى. وسعد عندما عرف أننى من سكان
مدينة نصر. هو يسكن فى الحى الأول. وأنا أسكن فى الحى
الثامن. ويومها قضينا الوقت من الزمالك حتى مدينة نصر فى
الكلام والتعارف. يومها عرفت منه أن إبنه متزوج من إبنة
بهاء طاهر. وتكلم كثيراً عن أحلام العمر التى حقق الكثير
منها فى رحلة حياته. كانت موسوعة عمره قد صدرت عن اليهود
والصهيونية. وكان يعمل على الملخص الذى صدر من الموسوعة فى
جزأين. وكان يتكلم عن كتابة القصة للأطفال. وسألنى هل قرأت
سيرته الفكرية. التى صدرت عن الثقافة الجماهيرية. وفرح
جداً عندما ذكرت له وقائع كثيرة منها. كان فيه الكثير من
تواضع العلماء. لم يشعر أبداً بخيلاء أو غرور الكتاب. خاصة
أنه من أصحاب المشروعات الكبرى فى الكتابة. تعامل مع
مشروعه بجدية ودأب. وثبت عليه. ورفض كل الإغراءات. قال لى
الشيخ يوسف القرضاوى. فى مسجد رابعة العدوية. يكفى أن عبد
الوهاب المسيرى كان عصياً على الشراء. بل كان مستحيل
الشراء. وكان القرضاوى قد جاء من مكان ما فى مصر. من أجل
حضور جنازته. وعاد إلى نفس المكان بعد الجنازة. نسيت أن
أبارك للشيخ القرضاوى اختياره عضواً بمجمع البحوث
الإسلامية. لعل وعسى.