«هل
تبين لك أنك حتى في بطن أمك، الذي يقال عنه - مقدّسا - لستَ
آمناً. انهم يصورونك، يتجسّسون عليك.. لن تفلت منهم حيّاً،
هذا أمر يعرفه كلُّ الناس، ولكنك لا تفلت منهم حتى قبل
ولادتك، كما لن تفلت منهم بعد موتك!» هذا ما قالته البطلة
في رواية ميلان كونديرا (الهوية).
تصور أن تكون هنالك إمبراطورية في مكان ما من هذا العالم
معنية فقط بالترصد عليك، بالدخول إلى فراشك، والتلصص على
أحلامك، وأن مصيرك فجأة يصبح رهن تفسير الحلم الذي حلمت به،
والذي لا ذنب لك فيه، تصور أيضا أن حلمك قد يُعطى الكثير
من الأهمية بحيث يأتي من يسجله وينقله عن لسانك إذا كنت
أميا لا تقرأ ولا تكتب، ويتدرج حلمك من شعبة الاستقبال
فإذا ما كان مهما يصل إلى شعبة الانتقاء، وإن كان له تفسير
معين انتقل إلى شعبة التأويل لتشرح دلالته ومراميه.. وصولا
إلى الاختيار الدقيق المعقد للحلم الأقصى والذي يُؤخذ إلى
السلطان الذي يقرر اتخاذ القرار الإجرائي الذي يراه مناسبا
فيه.
هذا قليل مما حملته رواية الكاتب الألباني إسماعيل كاداريه
«قصر الأحلام»، والتي كان أول من دلني عليها الشاعر الجميل
سيف الرحبي من خلال ما كتبه في كتابه «حوار الأمكنة
والوجوه» الذي حوى عددا من النصوص والمقالات. حيث يقول
الرحبي: «العالم عرف كاداريه وعرف إنجازه الإبداعي الهائل
الأصيل بأوسع مما عرفت ألبانيا المعاصرة». وهذا ليس بغريب
خصوصا بعد أن حصل كاداريه على جائزة مان بوكر الدولية في
الأدب متفوقاً بذلك على كتاب عالميين بارزين، وقد رأت هيئة
التحكيم أن فوز كاداريه بالجائزة يعود إلى أنه كاتب عالمي
في إرث قصصي يرجع إلى عهد هوميروس.
تأخذنا الرواية إلى تلك الأجواء الأسطورية الغرائبية منذ
صفحاتها الأولى التي تصف البطل مارك -عالم وهو يتجه إلى
مكان عمله الجديد حيث تدور أحداثها في مكان خيالي لتصف
الاستبدادية المكرسة لجمع أبسط حقوق الإنسان، وهو حق أحدنا
أن يحلم بسلام، إلا أن هذا الحق الذي يمارسه الغني والفقير،
البسيط والمتعالي يُصادر من قبل السلطة، ويتعرض للفرز
والتنقيب. بطل الرواية يُدعى مارك - عالم، ونلحظ هنا أن
المؤلف اختار اسما يجمع بين العربي والغربي، وهو الذي
اختار أن يعمل في «التبير سراي» وهي كلمة تعني «قصر
الأحلام» إذ تُجمع أحلام العامة والخاصة من أقطار
الإمبراطورية العثمانية لتحلل من قبل فريق عمل متكامل بقصد
استخراج ما يُنبئ عن مؤامرات أو انتقامات.
تحملك هذه الفكرة على الخوف من هذا العالم الضيق الذي
يتسلل إلى فراشك ليصطاد أحلامك، ولكي يُقيم مؤسسة كاملة
تشتغل لتراقب نياتك، وأفكارك البسيطة التي لا دخل لك فيها
في غالب الأحوال.. حيث تستثنى الأحلام المتعلقة بالجوع
والعطش والبرد والحاجات الإنسانية، وتركز على تلك الأحلام
التي من شأنها أن تؤرق منام السلطة العليا.
يصف إسماعيل كاداريه قصر الأحلام بوصف دقيق يُشعرك أنه
مكان مخيف ومرعب: «كان الممر طويلا ومعتما وقد تفرعت منه
عشرات الأبواب العالية وغير المرقمة» إلا أن هذا الشكل
الخادع سرعان ما يتحول إلى: «انفتح الباب دون كد أو جهد...
مدّ يده حتى يمسك بالباب الصّفاق الذي ظلّ يدور حول مفاصله
محدثا صرير، ولكنه انتبه آنئذ أن الغرفة كانت فارغة». تصور
هذه الصور المرعبة أن تحدث لك، وأنت داخل إلى مؤسسة تعمل
فيها لأول مرّة. تبدو صورة قاتمة، وغير مريحة.. ولا يختلف
حال البشر العاملين فيها عن حال الأبواب والممرات ففي
الاستراحة يتدافعون فوق بعضهم البعض: «تعاظمت ضجة الخطى
وبالأخص على الدرج.. يمدون طاسات القهوة وقصعات السحلب وهي
تدخن، وترك نفسه يتدافع باتجاه هذه المباسط». وجوههم متعبة،
لا يتبادلون الكثير من الكلام فهم منكبون على تحليل
الأحلام، وتصنيفها، وحتى في الاستراحة.. كل شيء يشي
بالسرية المفرطة غير المفهومة.
والأحصنة التي تذهب إلى المناطق البعيدة، وتحمل على ظهورها
الأحلام كانت تجفل من بعضها، ولا تقوى على حملها، فتتهيج
وتزبد وتصهل وكأن شيطانا يتلبس بها.والأمر لا يقف عند
الحلم فحسب ..إذ يحق للسلطة أن تفقأ عينا أحدهم لأن بهما
نظرة شريرة!!
بعدها يترقى بطل العمل مارك-عالم في سلمه الوظيفي بشكل
سريع معتقدا أن الأمر يرجع إلى كونه سليل عائلة الكويريلي،
إلا أنه يكتشف مؤخرا أن الأمر يرجع لاكتشافه للحلم الأقصى.
الغريب أن مارك- عالم بعد فترة من الزمن يجد نفسه غير قادر
هو الآخر على أن يحلم إلا فيما ندر، ويعلل كاداريه ذلك في
الرواية على لسان الراوي بقوله: «منذ كان يعمل في التبير
سراي لم يحلم إلا نادرا، كأنما الأحلام، لما أدركت معرفته
العميقة بأسرارها وعزمه أن يقول لها: «ليك عني أيتها
الأحلام واستغلي شخصا غيري» لم تجرؤ على المثول في خاطره»!!