بعد
أن سمعنا الخبر الأليم، صعدنا الطائرة لنسبق الوقت،
فالزوجة والأخت متلهفتان في غمرة الخبر الصادق، الذي كُذب
في مرة سابقة، على إلقاء النظرة الأخيرة على الجسد الميت
لأبيهما الذي فارق الحياة هذا اليوم، دون أن تسنح لهما
فرصة لقائه حياً، في أيامه الأخيرة التي كان يصارع فيها
أمراضه العضال...
وصلنا إلى مطار الملكة علياء، واستقبلنا في بوابة الخروج
زوج أحد الأخوات الستّ، مستنفراً الطريق، مستعجلاً بنا،
وطائراً بسيارته إلى مدخل المقبرة، بينما كان يُساق جثمان
الراحل إلى مثواه الأخير في المقبرة الإسلامية الجديدة...
كانت تتوارد عليه المكالمات الهاتفية، وفي كل مرة يرد بحزم:
نعم، نعم، أعرف. عند مدخل المقبرة. لكن عليكم الانتظار.
فابنتاه تودان رؤيته. كلها دقائق صغيرة، سنأتي على وجه
السرعة..الخ.
وصلنا في ذات اللحظة التي تدخل فيها الجنازة إلى مدخل
المقبرة، وفي ذلك الحشد المتراكم من الناس والسيارات
استطاعت الابنتان إلقاء النظرة الأخيرة على أبيهما المضعضع
الجسد، الواهن القوى، المرتسمة على وجهه المسافر ابتسامة
طفولية وادعة...
ألقيت أنا الآخر نظرة أخيرة وقبلت جبين الكهل الجليل،
امتناناً لتلك الطيبة العالية، والذكرى الطيبة، وأيضاً لكي
أنهي نوبة البكاء العاطفي المتشنج للأختين على جسد أبيهما،
لكي لا يدوم انتظار المشيعين، ولكي أقطع فيض انتحابهما
المستمر..
في تلك اللحظة ذاتها تذكرت منذ عامين جلسته في الفناء
الصغير الذي تظلله شجرتا زيتون وشجرة تين، جالساً على
كرسيه وراء بوابة البيت المفتوحة، محدقاً باستخدام نظارته
السميكة في صفحات جريدة “الغد” الأردنية، ومعلقاً أحياناً
على أصوات باعة الخضار والفاكهة وأسطوانات الغاز، في
سياراتهم التي تمرّ في الطريق الموازي للبيت...
********
كان اسم المقبرة “سراب”، وتقع في بلدة تحمل ذات الاسم، في
إحدى ضواحي العاصمة الأردنية عَمّان. ولأوّل مرّة أرى
السراب وقد لبس لبوس المكان المقيم، ونهض غير متزحزح عن
موتى ومقبرة، وعن بشر أحياء يتوافدون من أجل الردم والوداع،
من أجل الموعظة أو المجاملة...
كان لوقع هذا الاسم تأثيرٌ ظلاليّ على كل السحن والوجوه
والأشياء المحيطة المتناثرة، وعلى البلدة بأسرها، منكلاً
هذا السراب بمعنى الحياة وضارياً في التعريف بالهشاشة
والارتحال... ومع هذه السرابية، كان الراحل يحيّي الحياة
بطريقة أخرى، ففي وضوحه البيّن قبل الموت تضاءلت عنده
الكبرياء المسعورة لدى الآخرين بعصاميته وكفاحه ووقوفه
الأعزل، حتّى شكّل حلم التاجر الرافض للاستغلال والربا
والمنفعة المتأسسة على ضرر الآخرين، ساخراً من الكذب
والكذابين...هو الذي عاش الهرب من نير الاحتلال الإسرائيلي
الغاشم وهو في الخامسة عشرة من عمره في العام 1952، من
قرية “القباب” في “الرملة”، شاقاً طريق عصاميته ومراكماً
تجاربه، مستعيناً في خلسة مصيرية باستلال قِـدْر نحاسية من
قدور أمّه، ليتمكن من بيعها للحاق بحافلة النازحين
والمنفيين إلى مواطيء أقدام قد لا ترحب بهم أو تضيق الخناق
على أحلامهم الصغيرة في الحياة والحرية والسلام..
في خضمّ تلك السراب التي لا أظن أديمها إلا من هذه الأجساد
كما رأى المعرّي، أقف إجلالاً لهذا الحالم، ومفكراً على
طريقة جورج شحاده:
“ لا الرجاءُ
لا الثروةُ
بل الزهرةُ الصغيرةُ اليابسةُ في كتاب
والتي لم يبق منها إلا رماد الحـبّ.
كيف نموتُ
ونحن لا نزال قادرين أنْ نحـلــم”..
وإذن فقد أتى هذا الفلسطينيّ، المولود في فترة الإضراب
الكبير ضدّ الانتداب البريطانيّ، لا ليشكل عبئاً على غيره،
بل لينضمّ ويشارك بفعالية كغيره من المنفيين، حاملاً في
قلبه مفتاح بيته القديم، الذي بُـني على أنقاضه مطار بن
غوريون الإسرائيليّ، محققاً البذرة الأولى التي سيبذرها في
روع أحفاده القادمين...
********
تحلقنا حول القبر، وأنزل الجسد المكفن إلى اللحد. وكانت
“سراب” معبأة بالقبور الجاهزة، المؤطرة بإطارات إسمنتية
مستطيلة لكل قبر من القبور. وعلى مدّ النظر تراصفت القبور
التي تنتظر موتاها، والقبور التي يُطمر فيها موتاها للتوّ،
والقبور الأخرى التي يتمتع فيها ضيوفها بالنوم الأبديّ...ويبدو
أن البلدية قد حرثت المكان حرثاً وحفرت المساحة كلها في
البدء، لكي تجهز كل هذه القبور الكثيفة. وعلى بعد أمتار
قليلة جداً كان هنالك اثنان من الموتى يُحَدّران إلى
منزلهما الجديد، يتحلق حولهما مجموعتان تكادان تندغمان مع
المجموعة التي تكونت حول فقيدنا العزيز...
كانت بعض القبور لاتزال طازجة وقد ارتمى على سطحها
معلوماتُ شواهدَ أوليةٍ لبعض الموتى في شهر ديسمبر 2009،
حيث الاسم وتاريخ الدفن. وهنالك حيث كنا واقفين، قال أحدهم
لجار يقف إلى جانبه، وهو يجهز شيئاً من الطين المختلط
بالماء لكي يكال على الجسد المسجى في القبر، معلقاً على
اسم ميت مجاور:”أليس هذا زوج أميرة، ابن عم فلان الفلاني،
جار فلان الفلاني؟” تمتم الآخر، ولم يقل إجابة شافية،
كأنما عصفت بوجهه هبّة من سراب.. ثمّ صبّ الشخص الذي كان
يسأل محتويات الرفش على القبر..
صرخ أحدهم بصوت عال، وهو مايزال يُهندم الحفرة قبل أن
تُردم تماماً... ظاناً بأنّ الميت قد استيقظ وسحبه من أسفل
بنطاله، لكنّ هذا المذعور لم يكن قد لمسه أحد غير قطعة
حديدية ناتئة من جوف البيت الإسمنتيّ الذي أعدّته
البلدية...
تثاءب عجوز واقف قبالتي، دون أن يحدق في القبر، بينما
يُكال التراب على الميت. قلتُ في داخلي هذا ليس شعوراً
بالنعاس، لكنه تثاؤب من الحياة، وحنين مشدود جهة الموت...
لاحقاً قال لي أمجد، أحد أحفاد الميت، بعد أن عدنا أدراجنا
أنّه رأى جدّه بعد ساعات من موته في الصباح الباكر بعينين
مفتحتين، فهاله الموقف، لكنه بعد ثوان قليلة، نظر إلى وجه
جده مجدداً فرأى العينين مغمضمتين. برّر ذلك بأنّ الموتى
يدركون مايجري حولهم، لكنهم لا يستطيعون الحراك والتصرّف.
وتذكّرتُ الحكمة الهندوسية التي توصي بعدم البكاء والعويل
في حضرة الميّت، فعيناه تترقرقان بالدموع وألمه يزداد في
مشهدية لا يطيق لها حملاً...
كان من الممكن أن يعلّق الجدّ على كلام حفيده، لو كان
بمقدوره الكلام، ، بأيّ عبارة ساخرة... لكنه ذهب عنا،
بسخريته المعهودة، ونحن نتذكّر رده على الطبيب وهو على
فراش المرض، فحين أخبره الطبيب بأنّ هناك ماءاً كثيراً في
رئتيه، قال الرجل مستغرباً: ماء في رئتي؟ هل تُرى دخل نهرٌ
في صدري وأنا لا أعلم؟!...
إنه ديسمبر المجيد أيضاً، والمطر على أشدّه والبرد يعضّ
الأجساد. ديسمبر الذي وُلِدَ فيه أصغر أحفاده قبل عام من
الآن، والذي كان يتذكره في وعيه ولاوعيه بينما كان طريح
الفراش، مخلفاً وراءه هاتفه النقّال وعلى شاشته صورة ذلك
الحفيد... فهل كان الكبير جداً يناغي الصغير جداً؟. هل
كانت الحياة تقول للموت لا لن تخذلني البذرة، ولن تنطمر
الشجرة؟، وهل كان برج القوس يلتحم في مداره الخالد؟...
********
سألتُ عن سراب، عن تلك المقبرة الإسلامية اللابثة هناك،
وجلّ ما عرفته أنّها منطقة قديمة، يقطنها الكثير من
المصريين، ربما قد يكونون وفدوا منذ أيّام حكم محمد علي
باشا.. ورغم هذه التجلية الاسمية، فلا تضيف الشيء الكثير
إلى مسمّى المكان، الذي قد يكون سُمّي على اسم شخص اسمه
“سراب”، ويا له من اسم متطاير في أنحاء المكان والزمان،
ويا له من حكمة تدقّ عنقها بمطرقة المتهكمين والدائخين...
********
“يا قلب وَدِّع والتمس الشفاء” هكذا يقرأ علينا الشاعر
كتابه الأنيق، إنه لحن الحياة الذرب، لا حكمة الموت
المتغضنة... ذلك اللحن التي افتتن به شاعر هو “لوركا” كان
يتمنى أن يموت ميتة التفاح، أو “وولت ويتمان”:”وأنت أيها
الموت / أنت يا عـِناق الفـناء./ عبثاً تـخيفـني”، أو “دون
كيخوته” وهو يوقِّر نهاية الألم: “اسمع يا سانشو: ما من
ذكرى لا يمحوها الزمان، وما من ألم لا يأكله الموت” أو
شاعرة هي شيمبورسكا: “ ليس هناكَ حياةٌ – ولو للحظةٍ –
ليستْ خالدة”...
بينما سيأتي المتفيهقون، في “سراب” وما بعدها وما قبلها،
سيأتون في التغضن والموت السمج، ليقرأوا علينا الترهيب
والترغيب، ولا يتذكرون دعاء رابعة. يفندون الحياة ويوقظون
الأفعى والجحيم، ويقولون لنا كلاماً كثيراً بعد كل موت
ليملأوا خزانات العطش المتثائب منهم، وسيَسُـنـّـون
بمُداهم اللامعة حوافّ أحقاد سيرة الخلق، وسيستبسلون في
حلوقهم، غير عارفين بأنهم لا يبلغون المرثية ولا يكتبون
الملحمة ولا يتفرسون إلا في سطح الأشياء، في سطح رميمها
وقيامتها وألعابها... لهذا أرى شاعراً كجوته يشفق على
هؤلاء المغدورين، المطعونين في الظهر واللسان، قائلاً لهم
بصوت الشفاء الكبير:”التفكير في الموت يجعلني هادئاً
تماماً؛ لأني مـقتنع تمام الاقتناع بأنّ عقلـنا ذو طبيعة
لا يـمكن تحطيمـها، فهو يـواصـل عمـلــه مـن خلود إلى
خلود. إنه يـشــبـه الشمس التي لا تبدو أنها تغيب إلا
لعيوننا الأرضية، بينما هي في الواقـع لا تغيبُ أبداً،
وإنما تـضيءُ بصورة مـسـتـمرة”..
********
يعتزِم السيـد بالومار (عند إيتالو كالفينو) على أنـّه-منذ
اليوم- سيتصرّفُ كما لو أنـه مـيـت؛ لـيـرى كيف يسير
العالـمُ مـن دونـه.. وأعتزم، أنا العبد الفقير دائماً
للشِّعر، أن أدغم ذلك السراب الرمليّ بسراب الظهيرة ومنتصف
الليل؛ لكي تلحس المعجزة باطن قدمها، ولكي يرتعش العبثيّ
بالخالد، والرمليّ بالمترمّل، والساطع باللابث، وأسراب
الطيور البيضاء برئات السراب الجهنمية التي تفرغ وتنتفخ...