قُبالتي هذا الزخم من الأصدقاء، فلأتجوّل في بعض ملامحهم
وسحناتهم.. ممنياً نفسي بأن أرتكب مودّة غير شائنة،
وتمرئياً حميماً... إنهم أحياء كأسماك فضية في البركة التي
لا تأسن، ولهذا أجرؤ على نعتهم وحملهم في سطور كهذه...
عندما تكون شحّاذ فكرة مُوَسْوِسَة، ومُصاباً بالطيور
اليتيمة.. عليك أن تحمل إناءك الخشبيّ، متسوّلاً حبّات
السمسم البوذية التي تجود بها الحدقات والمآقي كي تقع في
يدك الظامئة... ولهذا أطالع صفحة هذا العصاميّ الشغف
بالحياة كعصفور بريّ، مسفوع بالهواء الطلق، حاملاً نرجسته
الودودة إلى مسقط الحلم، إلى شجرِةٍ لا كالأشجار، إلى كتابٍ
مَرِحِ مفتوح، تطير أوراقه في شتّى الزوايا المتعرقة
والصبورة والمكتفية بحناناتها ومعادنها...
من حارة الجوع، أو حارة الشمامير (أي دبّاغي الجلود)، في
بركاء، مضى أبو صباح يشقّ طريقه وحيداً في حلكة الطريق
وشقاء الممشى.. لكنه على ما يبدو التقط مفاجأة في طريقه
المضني، أضاءت له سرّ الحياة.. ولم تكن تلك «السرخسة» التي
التقطها غير التسويف والفرج القريب والحوافّ التي تترقب
اللاشيء، لكنها تمنح شيئاً ما غير كامل وغير نهائيّ...
وهكذا تحوّلت المنغّصاتُ إلى مغامرة عذبة، والشقاءاتُ إلى
زمن متبتل في الليل العاري.. وحينها أيضاً تحوّل القرف
الذي يسكن هواجسه الممرورة إلى عربة إسعاف تنتشل جريحه
ومُصابه نحو مقهى العافية، ونحو العازفين على التسويف
وقيثارات المطر، حتى لو تحدّر المطر قطرة فحسب أو انسكب من
سحابةِ صيف...
يدبّر «أبو صباح» أمره كالتالي:
من اللاشيء يمكن أن نصنع شيئاً، أو حسب تعبيرِ سان جون
بيرس «عليَّ أنْ أجْمَعَ من رِمالِ الاغترابِ قصيدة ً
مولودة ً مِـنْ لا شيء، قصيدة ً كبيرة ً مصنوعةً من لاشيء..»،
ومن الثمار الصغيرة يمكن أن تنهض المأدبة، ومن الطفيف –
بقليل من الحيلة والصبر سيرقص الليل وستنتشي الذئاب
المتعطشة بالنار المقدسة والصلوات النبيلة...
حمد الصبحي، الذي لا يعرف على وجه الدقة متى دفعت به
الولادة إلى الصرخة الأولى، وإن كانت سنة ولادته على
الأرجح في عام 1965، والشاعِرُ الذي لم يكتب قصيدة، قد كتب
نفسه، ولا يزال، بالطريدَيْن الضائِعَيْن في هذا العالم
المستشري بالأمراض والأوبئة، أعني المحبة والصداقة،
الخالصتين والصافيتين مثل عسل الزهرة اللامولودة...
وفي رهانه على الحياة والنور لم يبلغ القلعة ولم يصعد
الشمس، لكنه استغرق في البحث عن ذاته في السهب المديد،
الذي لا تناله عجرفة ولا يتهدّده ظلام.. مستمرئاً الذهاب
إلى الغابة، لا بفأس ولا بشَرَك، بل بعيون الحالمين
المسافرين إلى أقصى الشوق، برفقة أغنية تذرف الحنين
والطيور... وفي رنوّه نحو الحلم، كان يتطلع إلى نهر
كـ«الفرات» وإلى جبل كـ «الكرمل»..
ورغم السنوات المديدة التي جمعتنا سوياً في ظلال الصداقة،
لم يجمعنا السفر إلا في وجوه الناس وفي عيونهم.. وفي وجوه
الحالمين وعيون الأطفال.. وفي النساء الحاملات سلال الخصب..
وفي الرمضاء واللهب.. وفي البرد المقرفص والأغنية اللاهبة..
ورغم أمد التلاقي لم تجمعنا صورة فوتوغرافية، لكنّ الطريق
وحده كان يعرف مرارة حلقينا، وكان متفقهاً في أمر القافلة
التي نغذ السير إليها كلّ مساء؛ كي نقطف العنب ونحلب ودّ
الأماسي، ونعود بِحُنـَـيْن ٍ جذابٍ نتقاسم معه البهجات
والكآبات، وبخـُفـّيْنِ ضاحِكـَـيْنِ في المرايا
وضالِعَيْنِ في الكنز العبثيّ...
وفي الشقة التي سكنّاها سوياً في «الوادي الكبير» كان خزان
المياه المثقوب في أعلى العمارة يسقط شلال زقزقة وأناشيد
في أذنـَـيّ أبي صباح، وتتحوّل قطرات الماء إلى جوقة أنغام،
بينما كنتُ أمتعض وأتأذى من ذلك الصوت المشاغب، حتى قرأت
ذلك الصوت من جديد، وبدأ يتسلل إليَّ بطريقة أخرى.. وها هي
الثلاجة تحترق في إحدى الليالي، في غيابي، فيدحرجها أبو
صباح إلى الخارج قطعة من دخان ونار...
في «الوادي الكبير» رسمنا الجبل في الليل، وصادقنا «المكوجيّ»
الذي كانت له روح طاغور، وانتظرنا معاً سيارات الأجرة
الذاهبة إلى وسط المدينة أو بالعكس في بواكير الصباح وهزيع
الليل، وسمعنا موسيقى «إنيجما»، وتلذذنا مع الأصدقاء
بالموائد الفقيرة الثرية التي كان يخترعها أبو صباح بعد
خروجه من العمل في الجريدة، وأكلنا الطماطم التي كان يفضل
أن يطبخها دون أن يقطع حبل سُرّتها، وتلقفنا جموع التكسير
وجموع الجموع التي كان يلقيها على مسامعنا كـ «الشايات»
و»الرزيّات»!..
ومن وعثاء الليل، يتخلص حمد الصبحي سراعاً، ويرتكب الدرب
إلى العمل، كأن لم يكن شيءٌ البارحة، إلا قليلاً، وكأن لن
يكون الغد ذا بال. غير أنّ الليل يقترب بلهفة، وتتحرّك
عراقبه بخفة إلينا، منذ أوّل خطوة يخطوها أبو الصباح في
الضحى إلى جريدته..
جريدة إثر جريدة، وفي قادم الأيام، قد تسنح اللحظة الشهاءة،
لأن يرصد البعض ثلة من الصحفيين العمانيين، البالغي
الدماثة، الصعاليك القادمين من القرى والأرياف العمانية،
والذين عُرِفوا بمثابراتهم ونزقياتهم وأحلامهم الرقيقة..
وسيكون «حمد الصبحي» واحداً من هؤلاء الراتعين في خضمّ
مُناخ سيشكل، إن عاجلاً أو آجلاً، مادّة خصبة للكتابة،
برؤساء ومديري تحرير تلك الصحف والمجلات والمطابع،
وبموظفيها من العمانيين والوافدين وبأرشيفاتها وتوجهاتها،
وسكن موظفيها، وممسكي خيوط اللعب فيها، وبمبانيها،
ومقاهيها القريبة، والشخوص المتسلقة والجاهلة والألمعية
والذكية والطافحة بالحقد والفائضة بالودّ...
ما إن يخرج أبو صباح من مؤسسة صحفية حتّى يدخل في أخرى،
فلم يكن في وسعه أن يحيا أو يعرف وسيلة للعيش رغم الشروط
القاسية في كثير من الأحيان إلا تحت مظلاتها ووسط روائح
أحبارها وولادة صفحاتها وبين زملاء المهنة وفي معترك
أجوائها وفضاءاتها، ضاقت أو رَحُبَتْ...
التحق حمد الصبحي في العمل بمؤسسات »عُمان» و«الوطن»
و»الشبيبة» و»النهضة» و»الأسرة» و»الرؤية»، وحزمتْ في
داخله كل هذه التجارب، في الأقسام الفنية والثقافية
والمنوعات، الكثير من الذكريات واللواعج، وانتهى به الأمر
إلى نشدان مشروعه الصغير الخاصّ، فيما يوفره ذلك من
استقلالية واعتماد على الذات ومغامرة خاصة...
وحسناً فعل الرجل بذلك، فالنحلة التي تقع على حقل واحد،
ولا تبحث عن حقول أخرى، قد يتلطخ عسلها بالكسل والكآبة، ما
لم يرأف الله بحالها وحال الحقل، وقد يتفشّى في جسدها داء
المرض بالمكان الواحد والزهرة اليابسة!...
حين نكون قبالة حمد الصبحي نكون مع القلب الخافق بالمحبة
الإنسانية، كما نكون مع الروح الممسوسة بالجمالية التي لا
تعرف التفلسف، ومع البساطة التي تترقرق كدمعة أو وردة..
تـُرى هل هناك مقطعٌ ما محفورٌ في ذاكرته؟ وهل تـُرى لمسته
عدوى عتيقة من والده الصائغ في حلة الشمامير؟... إنّ
الإجابة على ذلك، تعرفها الأمكنة اللطيفة المهوّاة بالفرح
والحزن الرقيق، ولا يبدو إلا أنّه لم يكن «صائغ» أحقاد أو
ضغائن، وكانت نمائمه ومنمنماته في إشاعةِ التعالي على
المرارة؛ وللذهاب بالقوارب المطاطية في فرح الرحلة، وفي
ضحكها المدوّي، حتّى صباح الليل، بينما تجول الخيول على
شاطئ القـُـرم في تجوالها السعيد أمام الموجة الكابية، حيث:
»البحرُ في الصباح كأنّه حدس الروح».. والشمسُ تـُـذهِّبُ
الأنفاسَ الثملة، والأرواحُ تزفر بالمطر في الغيوم المثقلة
بالجنى...
كثيراً ما يطلّ حمد بسحنته ويظهر أمامي فجأة في مدن أخرى،
وهو يكرع ويرتوي، أو يلحق بأصدقائه صوب قطار أو حافلة، أو
يمضي ساهماً في الطرقات، لكن في حقيقة الأمر، لم يكن ذلك
المرء إلا طيفه وخياله المستشري اللاحق بي، بينما كان هو
هناك، في البلد، حارساً أميناً على روحها الحلمية، وراعياً
لأخلاقها بالملح والنكتار والريف والينابيع، ومغنياً «سلم
لي عليه» أو «فوق إلنا خل فوق»...
وسواءً كان «صباح الليل» خاصاً بقاسم حداد، أو طرفة بن
العبد، أو بودلير...فإنّ أبا صباح له صباحه الليليّ الذي
يخصّه وحده..وله قطاف هذا الصباح وشجرته وطيوره.. وحيداً
هو كأن لا أحد غيره في الجزيرة، ومحتشِداً كأن الجميع كلهم
في قلبه...