شرفات....

الجمال عندما لا تستطيع حدقة العين اختزاله أو
الدخول إلى الحلم عبر بوابات دمشق السبع «1»
تماهى مع جمالها ـ عاصم الشيدي

قبل سنوات عندما بدأ حلم السفر يراودني كان كل المنى ومتسع الحلم أن أفتح عيني في مدينتين عشقتهما قبل أن أراهما. كانت بغداد عاصمة الرشيد تأتي في مطلع الحلم ودمشق عاصمة الأمويين مسك ختامه الذي لا ينتهي.
لم يتحقق الحلم حينها ككل أحلامنا المؤجلة التي نبحث لها وسط زحام الدنيا وزحافاتها عن مساحة فلا نجدها أبدا. إلا أن الحلم كان يكبر ككرة الثلج والأيام تزيد الشوق تعتيقا وولها، قبل أن ينكسر جناحه الأيمن بسقوط بغداد بغفلة من التاريخ أو بتواطؤ منه، فليس ثمة فرق كبير بين الاثنين، لأن النهاية الواحدة؛ سقوط بغداد .. وسقوط الإرث الحضاري الممتد إلى ملايين السنين. بقي جناح من الحلم يرفرف مستمدا عنفوانه من حلم العناق والتماهي في جمال دمشق، إلى أن تحقق الحلم أخيرا.
حدث ذلك ذات صباح عندما وجدتني أسبق حلمي في مطار مسقط الدولي باحثا عن طائر أبيض أحلق به أو يحلق بي إلى حيث الحلم، وكان للحلم رمزية أخرى هذه المرة فالزيارة ضمن مشروع كبير تقوم به وزارة السياحة السورية يعيد إحياء طريق الحرير الذي كان يمر بالمدن السورية أو هي محوره الرئيس.
وكمن فاجأته فلول النور فلم يستطع أن يستوعبها دفعة واحدة حدث اللقاء .. يا إلهي كيف لكل هذا الجمال أن يستوعب كانا رفيقي خلفان الطوقي ومحمد اللواتي قد زارا المدينة من قبل فلم أشعر على وجهيهما باستغراب واستعجاب . بين المطار والفندق مقر إقامتنا كان الجمال يتهادى في كل مكان وحضرة ممتدة إلى ملايين السنين تتوزع في كل زوايا المدينة الضاجة بالحيوية والإقبال على الحياة.
لا أعرف من أي باب من أبواب المدينة السبعة دخلنا، إلا أنني أذكر أن دليلنا السياحي علي حجازي توقف كثيرا في حديثه عن باب توما وقال أنه سمي بهذا الاسم نسبة للقديس توما أحد رسل المسيح الإثني عشر حيث كانت دمشق مقصدا ومنطلقا للرسل والقديسين على مر التاريخ، يقع باب توما في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة دمشق القديمة، بني أول مرة في عهد الرومان وأعيد بناءه في زمن الملك الناصر داوود 1228 م.
كانت بالقرب من باب توما كنيسة حولت إلى مسجد بعد الفتح العربي لمدينة دمشق وترتفع على الباب مئذنة، كما توجد عند سوق صغيرة ذات حوانيت يمكن إغلاقها ليتمكن أهلها من البقاء فيها لدى حدوث الغارات أو إقامة الحصار على المدينة، إلا أن المسجد قد أزيل بداية عهد الانتداب الفرنسي على سوريا، يعتبر باب توما كما هو اليوم نموذجا من نماذج المنشآت العسكرية الأيوبية التي تقدم صنعها تقدما مدهشا في أول القرن الثالث عشر الميلادي، يعلوه قوس، وشرفتان بارزتان لهما دور عسكري وتزييني معا.
وينسب باب توما كما أورد ابن عساكر إلى كوكب الزهرة حيث كانت أبواب دمشق كل باب عليه مجسم لكوكب من الكواكب ويسمى باسمه ، ويروى أن عمرو بن العاص نزل عليه يوم الفتح الإسلامي لمدينة دمشق.
وغير باب توما الذي يبدو أن حجازي مغرم به لذلك أطال حوله الحديث باب السلامة وباب الفراديس وباب كيسان والباب الصغير والباب الأخير، وكلها تعانق السور الكبير الذي كان يحيط بالمدينة تهدمت أجزاؤه في القرن الثامن الميلادي قبل أن يعيد نور الدين بناءه في القرن الثاني عشر الميلادي. واستمر الاهتمام بالسور قبل أن يهمل بعد عصر العثمانيين ويجري الآن ترميمه.
كانت السماء قد ارتدت الظلام رغم كل ما يقابلها من نور يتهادى في الأرض حينما خرجت لأول مرة بعد أن وضعت سفري وأحلامي في غرفة وسط المدينة . خرجت لسبر أغوار المدينة فكان ان صدمني مشهد غاية في الجمال والروعة ، عندما شاهدت جبل قاسيون يشع بالنور . ليس من السهل علي الآن أن أعيد إنتاج ذلك المشهد بدلالات اللغة فاللحظة الزمانية يبدو أنها تفقد بريقها بعد حين؛ رغم ما بقي ما رائحة الجمال أتدثر به وأرمم به اللحظات الصعبة التي تمر بنا بعيدا عن المكنة الجميلة.
في الشوارع الدمشقية نلتقي بحكاية الزمان والمكان التي شكلت معالم المدينة، كانت البسمة ترتسم على وجوه الجميع باعة ومتجولون، الشوارع مكتظة بالمارة وصوت موسيقى يأتي من زوايا متوارية.
في الصباح كنا على موعد مع رحلة في المكان إنما في زمان آخر لا ينتمي للزمان الذي نعيشه في الحاضر، بدأت الرحلة عندما زرنا متحف السكة الحديد وتعرفنا على أكبر المشاريع الحضارية التي كان يمكن لها أن تربط الجزيرة العربية ببلاد الشام والعراق والدولة العثمانية في ذلك الوقت وهو مشروع “ القطار الحجازي” ورغم أن المشروع نفذت منه الكثير من الأجزاء إلا أنه وئد في لحظة زمانية قاسية. حدث ذلك ويحدث وسيحدث أن توأد مشاريع حضارية كان يمكن لها أن تغير الكثير من مجاري الزمان إلا أن السؤال الكبير يبقى “ من قتل المشروع”.
خرجنا من دمشق وسار بنا الدليل إلى بصرى المدينة الرومانية القديمة ضمن زيارة لمحافظة درعا. كانت بصرى تحمل كل الإرث الروماني. كانت بصرى عاصمة دينية ومركزا تجاريا هاما وممرا على طريق الحرير الذي يمتد إلى الصين ومنارة للحضارة في عدة عصور تعود لآلاف السنين.
وفي هذه المدينة قابل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الراهب بحيرا المسيحي الذي تنبأ بنبوته وعندما تجد نفسك وقد توسطت بصرى ينتابك شعور وكأن ملوك الرومان ما زالوا يذرعون المدينة فما زالت آثارهم شامخة رغم تقادم العصور. وأكثر ما يشدك أثناء زيارة بصرى هو مسرحها “ مسرح بصرى” الذي ما زال قائما وكأن الرومان ما زالوا يقيمون عليه حفلاتهم أو كأنهم حضروا فيه البارحة حفلة تصارعت فيه حيوانات مفترسة مع كائن ضعيف مازال يسمى “ إنسان”.
ويقع المسرح ضمن قلعة بصرى الأثرية وهو من أكبر المسارح الرومانية التي ما زالت تحافظ على متانتها وقوتها حتى الآن. ويتسع المسرح لحوالي 15 ألف متفرج على مدرجاته العالية . ويقام عليه سنويا مهرجان بصرى الدولي.
لم أكن أعرف وأنا أصعد إلى أعلى مدرج المسرح أنني سأشاهد حفلة رومانية كان طرفها إنسان لا أعرفه حتى الآن إنما طرفها الثاني فأسد ثائر حاول الإنسان جاهدا أن يصرع الأسد إلا أن الحكاية الأسطورية لم تتحقق بسرعة غير محسوبة كان الإنسان لقمة سائغة في فم الأسد بينما ملوك الرومان يضحكون.. يضحكون بهستيرية مريرة حتى رمقهم الأسد بنظرة غاضبة قبل أن يأمروا بقتله هو الآخر. كانت زمجرته قد أعادتني إلى الحاضر فعرفت أن ثمة تداخل زماني بين مشهدين إنما في المكان نفسه.
ولم تكن شهبا أقل جمالا من بصرى كان كل شيء هنا يحكي عن الجمال، سواء جمال الحاضر أم الجمال الذي تراكم عبر ملايين السنوات في رحلة التاريخ.
في السويداء علق السائق بالقول أن شطر الجمال في الكون تلتحف به هذه المدينة وأن أجمل نساء الكون منها. لم أسمع ما أخذ يسترسل به ولا تعليقات زملائي فقد كنت مشدودا إلى زاوية من الشارع الذي نقطعه ، كان ثمة ما يؤكد كلامه إنما بملامح لا يمكن استيعابها في لحظة مباغتة.
في المساء كنا في قلعة دمشق .. كانت كل حضارة دمشق تنبثق من بين أسوار القلعة عبر رحلة طويلة في التاريخ الدمشقي.
حفل تاريخ القلعة بأحداث كثيرة سطرت عبر العصور التي مرت على المدينة العريقة عبر تاريخ طويل حافل بالبطولات.
وعلى مقربة من القلعة كان سوق الحميدية واحد من أشهر الأسواق في العالم العربي وبجواره الجامع الأموي التحفة المعمارية الشاهدة على عراقة التاريخ الإسلامي .
في قلعة دمشق بدأ حفل افتتاح مهرجان طريق الحرير. لم يكن الأمر ليعبر هكذا فالمهرجان بأبعاده الزمانية والقلعة ببعديها الزماني والمكاني كانا حاضرين في المشهد ، أو سأقول أنه تم اختزالهم في الأوبريت الذي قدم في حفل الافتتاح.
تستطيع صورة أن تختزل التاريخ لكن لا تستطيع العين أن تستوعب الجمال في عندما يتجلى في أبهى صوره، هذا ما قلته لخلفان الطوقي وأنا أعبر أسوار قلعة دمشق في أول تماس حقيقي مع رحلة في دهاليز الجمال ستستمر عشرة أيام .