شرفات....

العارض
قصة : حنان المنذرية


جيمس كان أول الواصلين.. حين رآني انفجر ضاحكاً وعلق على تورم وجهي وعينيَّ, كان ذلك من آثار أرق البارحة وليس من آثار الصحو بعد النوم كما اعتقد هو, تمتمتُ: سيزول ذلك قبل أن تصل المديرة وبقية الموظفين والمصورين والعارض!! مضت ساعة قبل أن تصل سلمى.. وصلت سلمى بصحبة جولي, بعد ساعة جاءت المديرة برفقة المخرج والمصورين.. وصل العارض قبلهم بحوالي الربع ساعة, يستقل سيارة متهالكة في القدم, كان حاسر الرأس ويرتدي دشداشة بيضاء مكوية بعناية .. حالما ترجل من السيارة قلت لسلمى وأنا أعلق على تجهم وجهه: "ليس جميلاً كفاية، ويبدو بمزاج سيء أيضاً!", ردت ساخرة: "ربما لأنه مفلس مثلنا" .. صمتت قليلاً ثم أضافت بمرح: "لو لم يكن كذلك لفكرتُ في استمالته!" .. ضحكتُ وأنا أتأمل سيارته ولسان حالي يقول: "وأنا أيضاَ لن أحاول معه!" .. وصلت سيارة فخمة يقودها شاب أنيق سرعان ما ترجل منها وسلم مفتاحها للمخرج, نادى المخرج على العارض الذي كان يتبادل الحديث مع أحد موظفي وكالة الإعلانات, اقتربنا منهم في فضول, شاهدنا المخرج يناول العارض "مصراً" جميلاً ثم يسهب في شرح الحركات التمثيلية التي ينبغي أن يؤديها وهو يقود سيارة العرض الفخمة والخاصة بإحدى وكالات السيارات المعتبرة في البلاد, ظل العارض يستمع إلى التوجيهات الدقيقة في اهتمام شديد, لكن قبل البدء كانت ثمة سيارة تحاول أن تمر من جانب الشارع الذي اختير ليصور فيه المشهد, قلت لسلمى وجولي بامتعاض: "انظرا لمديرتكما ومخرجها! تطالبنا بالحضور فجراً فنمتثل ونترك أسرتنا مبكراً في يوم العطلة الوحيد لنفاجأ بأنها هي من تخلف عن الحضور الباكر مع ذلك المصور!!" ردت جولي بنفاد صبر: "ها قد قام الناس من رقادهم وسيحاصروننا بالسيارات بينما لن تتركنا دوريات الشرطة لنصور الإعلان في هذا الشارع" .. كانت جولي على حق, فدورية الشرطة جاءت بعد برهة وأمرتنا بأن ننتقل للجانب الآخر من الطريق حيث المناظر أقل جمالاً من شارعنا المختار .. امتثل الجميع لأوامر الشرطة من دون مجادلة, فقد علمت من أحد الزملاء بأنهم كانوا قد أبرموا اتفاقاً مع الشرطة يخولهم بموجبه باستخدام الشارع كمسرح للدعاية على أن يتم ذلك فيما بين الساعة الخامسة والسادسة صباحاً بينما كانت الساعة حينئذ تقترب من التاسعة.

أخذ المخرج يرتجل سيناريو محرفاً قليلاً لمشهد السيارة الفخمة التي سيقودها العارض على ذلك الجانب من الشارع, طلبوا منا أن نتوزع بسياراتنا على أربع جهات لنجعل الأمر يبدو كما لو كنا نعاني زحاماً واختناقاً مرورياً .. العارض اختفى بعض الوقت برفقة المخرج, جاءت ليلي برفقة سوزي وانضمتا إلينا, قالت سوزي بامتعاض: "ويرز ذا موديل؟!", انتبهتُ إلى أني لم أعرف بعد اسم العارض, توجهت إلى جولي بالسؤال عن اسمه, ابتسمتْ وسألتْ: "ذا مودل؟"، أجبتها: "نعم" ، ردت: "ذا مودل!", سألت سلمى فقالت تغالب ضحكة: "اسمه بالإنجليزية: ذا مودل وبالعربية العارض" .. سألت بعض الزملاء فتبينت أن لا أحد ممن حولي يعرفه إلا تحت مسمى ذا مودل أو العارض .. بعد نصف ساعة عاد العارض مع المخرج, طُلب منا الجلوس في سياراتنا والاستعداد, جاء زميلنا شيكر يشرح لنا كيف سنمثل أدوارنا: "حين يطلق المخرج إشارة البدء زمروا بسياراتكم, وجوهكم على الأغلب لن تظهر في التصوير, ما يحتاجونه منكم هو أن تتوزعوا على مفترقات الطرق وتزمروا كثيراً لتوحوا في المشهد بالزحام!" .. وقبل أن يولينا ظهره ويبتعد قال مؤكدا: "زمروا كثيراً حتى تنتهي اللقطة!" .. افترق المخرج عن العارض بعدما طلب منه الجلوس والاستعداد لقيادة السيارة الفارهة, التفتُّ لزميلتي وسألتها إذا ما كان الإعلان الذي سنصوره سيدور حول الجائزة الكبرى التي ستقدمها شركة المشروبات الغازية؟, أطلقتْ بدورها ضحكة مدوية من شدة جهلي أو غبائي! .. دارت كاميرات التصوير متنقلة ما بيننا وبين السيارة الفارهة وهي تركز على الغضب الذي جاهد العارض لإظهاره على قسمات وجهه, بدأ بإخراج يده كإيحاء بنفاد الصبر, ثم سرعان ما بدأ يزمر بجنون ويضرب بسأم على حافة الباب, ونحن نزمر من دون توقف بسعادة! , فجأة رن الهاتف المتأنق في يد العارض وحينما أجاب على المكالمة بانت على وجهه علامات الحبور فحدستُ بأنه يمثل الآن دور شاب مرفّه يتلقّى خبر فوزة بجائزة الشركة الكبرى, كنت أستقل أقرب سيارة في الجهة المقابلة له, ساعدني ذلك على تأمل انفراج أساريره المتجهمة خاصة وقد توقف عن التزمير وبدا وكأنه قد انشغل تماماً بالخبر السعيد, بينما نحن لم نتوقف إلا حين سمعنا كلمة "ستوب" من المخرج .. كان المشهد جنونياً وكنا في أعماقنا قد انتشينا به, لكن المخرج لم يكن راضياً كفاية على أداء العارض, أوقف التصوير وأعاده لما يربو على الست مرات .. بدأ صوته يعلو وهو يؤنب العارض, والعارض يغوص في خجله, لكنه أبداً لم يستسلم, بل ظل يعيد المشهد بصبر وتركيز بينما المخرج لا يرضى ولا يكف عن الصراخ وقد كانت الساعة حينها تقترب من الواحدة ظهراً في ذلك الجانب الخاوي إلا منا من الشارع !!

أخيراً .. أتقن العارض مهمته كما أُريد لها ثم خرج من السيارة متجهماً كما كان, انفرجت أسارير المخرج وربّت على كتفه بحنو, تقدمت المديرة اليهما .. رأيت العارض يخلع المصر الثمين ويعيده مع الهاتف النقال ومفتاح سيارة العرض للمخرج, بدا مجهداً ومرهقاً ومسكيناً .. بهدوء ركب سيارته المتهالكة وانصرف.