لم تطرق مسقط الباب، دخلت دون أذن، يدها ثقيلة على جسدي،
رائحة كريهة فاحت من فمها، استيقظت فإذا بها تنتشلني من
نومي الرمضاني الهادئ والمريح.
فركت عيني النائمتين أمام المرآة التي تلبسني مصرّ الصباح،
زبد رأيته خارجا من فمي، بعضه لزج، والآخر كان قد جف، وشكل
خطّا أبيض حول الفكّين.
دخلت في الماء، أبعدت النوم عني، لفني البياض في الدشداشة،
خرجت قدماي تبحث عن الشارع المؤدي إلى المبنى الأبيض ، قبل
أن يظهر الشارع أمام عينيّ كنت محتارا في طريقين، أيهما
أقرب إلى سيارات الأجرة، ها هو شارع بهوان أمام عيني، وهو
قريب جدا ، لكن الموت فيه يتربص بالأجساد النائمة، الشارع
الآخر أكثر بعدا، فإذا بي أقابل الشارع المقابل لشقتي.
في معبر الماء تغوص قدماي في الحجر المتناثر، قبل أن تطلّ
الأشياء سمعت صوت فرامل سيارة، ظهرت الأشياء بعد نهاية
معبر الماء الجاف، قطعت الشارع إلى ضفة، كان من المحتمل أن
أجد سيارة تأخذني إلى المبنى الأبيض، لم أكن أتوقع أن أصل
إلى الضفة الأخرى بقدم واحدة، وقفت بقدم واحدة، وكان دم
القدم الأخرى يتوزع تحت إطارات السيارات المسرعة، يا الله
يدهسون ساقي، ولا يتوقفون أبدا.
لم يقف أحد ليأخذني إلى الخوف الذي أقابله كلما دخلت
المبنى الأبيض ، مشيت إلى موقف سيارات الأجرة الذي يبعد عن
موقفي هذا بنصف كيلو متر، ظللني الجسر، حمام يتطاير من
أعشاش الجسر، كل السيارات التي وقفت كانت تخبرني أنها لن
تدخل إلى المكان الذي ينام فيه المبنى الأبيض في الليل،
سيارات الأجرة تسير على الشارع العام فقط، لذلك كان لا بد
أن تكمل يدي معلقة في الهواء ساعة كاملة، وقف من أخذني،
وأغريته أن شخصا آخر سيركب إلى الداخل. وأنا سأزيدك من
مبلغ الأجرة، وافق وركبت في الأمام صامتا، والشخص الآخر
كان كذلك، كم كان هذا الشاب خلوقا جدا، كلام الله يتوزع في
بطن سيارته، إنهم يحترمون رمضان.
دخلت المبنى الأبيض ، جردوني من الأشياء، سألتهم عن
التوقيت الرمضاني، أخبرني شرطي أن في العاشرة تبدأ الجلسات،
صعدت إلى الورقة التي تؤكد أني سأحاكم في هذا الصباح
الرمضاني الكريم، وجدت رقم جلستي بعيدا، لذلك ثمة وقت
للاستمتاع بهذا النهار الرمضاني، قبل أن اشتري الجريدة،
سألته : هل يسمح لي بقراءة جريدة الصباح في كراسي المبنى
الأبيض ، قال نعم، لكن لا يسمح بقراءتها داخل قاعات المبنى
، أخذت الجريدة، وبدأت قراءة ما فيها. المطار يطبق نظاما
جديدا، فسيختم الجوازات بجهاز آلي، هذا لا يهمني، فعندما
أعود من جزيرة بُكيت مع إجازة عيد الفطر ثمة ضرورة لقتل
دقائق الوقت المسائي داخل صالة القادمين، لأن الذي سيأخذني
من المطار، ما زال في زحمة يوم الجمعة، وكي لا أنزعج من
رؤية مسقط في مساء كئيب كهذا أفضل مسح وجوه القادمين من
سفر ممتع وجميل داخل صالة القادمين، هناك فتاة فقدت حقيبة
سفرها، وشاب تناشده شرطة المطار عن الزجاجة التي يود
إدخالها إلى بلد المسلمين.
سمعت اسمي ورقم ملف الحساب، قفزت كالذي غادره حلم مزعج،
فيه حرب وحب وحبر، وقفت وحيدا دون الطرف الآخر، سألني عن
ورق كان قد طلبه مني في المرة الماضية، بينت له أن الورق
مع الطرف الآخر، نادى على مكتب الطرف الآخر، قفز جاري
معتذرا عن سهوه، أوضح أنه لا يملك ورقا، والإنذار كان
شفويا كما يدعي جاري. كنت سأشكره على الأرز الذي أعطاني
إياه مساء الأمس ، كان أرزا جميلا، كأنه مطبوخ على طريقة
أهل الجنوب، لكني سحبت شكري، ظننته لا يعرفني، فهو محام في
قضيته، وأنا مجرد إنسان بائس يوزع راتبه على مستلزمات
الحياة.
عدت بعد أن أعطينا موعدا آخر، دخلت فإذا بيارا تستقبلني،
كعادتها أخذت يدي في فمها، قبّلتها، قلت لها "واجد" وراحت
تزيد من عدد القبلات، فتحت لها طيور الجنة، غنت ورقصت في
الجنة مع طيورها، وبدأت في كتابة ما لا بد من كتابته قبل
الظهر.