شرفات....

“القصة القصيرة جدا”
لماذا أخفقت في الخليج؟
عدنان فرزات رابطة أدباء الكويت

الوهج الذي أضاءته “القصة القصيرة جدا” في أروقة الحركة الإبداعية في الخليج، كان شحيحاً، لا يغني عن بصر.وذلك على عكس ما حققته الرواية والقصة القصيرة والشعر في الخليج، فقد تلكأت “القصة القصيرة جداً” على عتبات الانتشار، وانطفأت قبل أن يتوقد لظاها،وانحصرت في مجموعة قليلة من الكتاب، بل إن بعضهم كتبها لمرة واحدة على سبيل التجربة، طارقاً بواباتها بوجل، ثم غادرها إلى “ضرتها” القصة العادية.
وعلى الرغم من جمالية هذا النمط من الفن السردي، إلا أنه لم يجد طريقه بالرونق نفسه الذي سارت عليه بقية الفنون السردية، وذلك يعود لعدة أسباب، منها أن القصة الطويلة أصلاً،تعد حديثة نسبياً على واقعنا العربي، وبالتالي فإن نظيرتها القصيرة جدا هي أحدث، ولم يمض على دخولها إلى الخليج أكثر من عقد زمني، فلم يكن هذا الوقت كافياً لإقناع الناس بها. خصوصاً وأنه لم يتهيأ لها مَن يأخذ بمفرداتها إلى مصاف القراءة الأولى لدى المتلقي الخليجي، ولم يتمكن كتابها من الدخول عبر ثغرة استيراتيجية، وهي أن القارئ الخليجي يفضل النصوص المكثفة والمختزلة، لكونه يعيش في مجتمع متسارع يحتل الاقتصاد فيه الدرجة الأولى من حياة الناس.
وهناك أسباب فنية وأسلوبية عرقلت تألق القصة القصيرة جداً،وتتمثل في فشل كتابها بالعثور على الخط الفاصل بين أن يكون النص الذي يكتبونه نصاً سردياً موجزاً، أو خاطرة، أو ومضة.فتعريفها العلمي كما يقول الناقد المغربي د.جميل الحمداوي:” جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي”. ولو أردنا تطبيق هذا المعيار النقدي على معظم ما كتب تحت مسمى “قصة قصيرة جدا”-أو كما يختصرها أصحابها “ق.ق.ج”-لوجدنا أن هذا المعيار فضفاض عليها، ولا يتسق مع فنيتها.
وكي لا نلقي باللائمة كلها على الكتاب، فإن ثمة عوامل أخرى أدت إلى ذبول هذا النمط السردي قبل أن تكبر أغصانه.منها عدم اهتمام المؤسسات الثقافية، الرسمية والخاصة، بها، فلم يكن لها مهرجانات واسعة النطاق أو مستمرة، ولا مسابقات تحفيزية، ولا هي ظهرت بوفرة في مجموعات مطبوعة، بل اقتصرت على إطلالة وجلة في إصدارات محدودة.
القصة القصيرة جدا فن مدهش، في حال برع الكاتب في الإمساك بخيوطها، لذلك نأمل أن لا تغيب هذه “القصيرة جداً” بين القامات الطويلة لبقية فنون الإبداع.