تتنوّع تجربة الكتابة القصصية العمانية، وتختلف من كاتب
إلى آخر، هي تجربة جامعة بين أعمال تخطو أولى خطواتها وبين
مظاهر نضج قد تتوضّح معالمها بمرور الزمن، هو نُضج ظاهرٌ
في تنوّع أساليب الكتابة، ووفرة الاطّلاع على نماذج قصصيّة
عالميّة وعربيّة، وفي الخروج من المحليّة الضيّقة، غير أنّ
هذه المحليّة متى تمّ توظيفها على الوجه الأسلم وسمت
الكتابة القصصية بسمات مميّزة في فرادة المواضيع واستغلال
التراث الخاصّ والبيئة الخاصّة والتعامل مع الواقع برؤية
مميّزة.
من السابق لأوانه ـ فيما أعتقد ـ أن نتحدّث عن كتابة
قصصيّة عمانية متفرّدة بشكل مطلق، وإن توفّرت أعمال تحقّق
فيها التوازن بين خصوصيّة حالّة وموروثة وبين ثقافات
قصصيّة عديدة تظهر بشكل سافر أو ضمني على مستوى بنية القصة
أو مضمونها. أعمال عديدة ـ وخاصّة من قصص الشباب ـ تتأرجح
بين تقليد مرجعيّات عليا والبقاء في وهم المشاكلة، تعبيرا
عن شواغل فلسفيّة وذهنية وعن رؤى قرائيّة، وبين الالتصاق
بقضايا الواقع تُصاغ صوغا قصصيّا قد تقلّ فيها درجات
السرديّة وقد تعلو.
لقد شهدت الكتابة القصصية العمانية تنوّعا وثراء، وقد
اتّخذ هذا التنوّع هيئات واختُبرت فيه أساليب عديدة، ولكن
هذا لا يُضفي وحده خصوصية على أنماط الكتابة القصصية
وإنّما التميّز فردي وليس قطريّا. فمن العسير أن نتحدّث
نقديّا عن تجربة في الكتابة القصصيّة العمانية أو
الإماراتية أو الكويتية أو البحرينيّة أو المغربية، وإنّما
هي تجارب أفراد يدخلون في مشاغل أقطارهم وقد يتعدّى المشغل
التجزئة القطرية إلى التجربة الريفية أو الصحراوية أو
الحضريّة...
إنّ الخصوصيّة تُستَمدّ من تحديث الأساليب واستثمار مضامين
محليّة، شقّ مهمّ من حكايات البلد لم يقع اعتماده وتوظيفه
في القصص، شقّ مهمّ من المعتقدات المحليّة والسائد بين
الناس كان غائبا في القصص العماني.
هنالك توجّه في مستوى تنوّع الأساليب إلى مشاكلة متعاليات
نصيّة، قرائيّة، تشكّل مرجعيات ظهورُها سافر، يدور في
فلكها قسم مهمّ من القصّاصين الشبّان(1)، هي مرجعيّات
مفيدة ولا ضرر من الاتكاء عليها، ولكن وجب استيعابها على
الوجه الأسلم حتّى لا يتحوّل الأمر إلى إعادة إنتاج أو
تكريرٍ لهذه المتعاليات.
والجدير بالملاحظة هو الرغبة الدائمة في تحقيق ضرب من
التوازن بين العامّ والخاصّ، بين المشترك والفرديّ، وهو
أمر نعمل على رصده في دراستنا لعدد من الأعمال القصصيّة،
هي:"الحياة بدون عصافير" الواردة في مجموعة سليمان المعمري
القصصية "الأشياء أقرب ممّا تبدو في المرآة"، و "خطوات
لزجة للفرجة" الواردة في مجموعة الخطاب المزروعي القصصية "لعنة
الأمكنة".
نلحظ في شقّ من هذه الأعمال امتدادا للذات الراوية/الكاتبة،
هو امتداد مدرَكٌ يمكن تفسيره، في نطاق التجريب واختبار
الأساليب، فالخطاب المزروعي يستند إلى جنس القصّة أرضيّةً
للبوح للتعبير دون وفاء للمنطق الحدثي ولتتاليه، هي تجربةٌ
مهمّة في عمقها السردي، في بُعدها الفكري، في تبيّن
المعالم الفكرية والنفسيّة لتفاعل الراوي مع واقعٍ خارجيّ،
مع حالات داخليّة، إذ يُقدّم الراوي رؤيةً للمكان وللأشياء
وللكائنات من حوله، هي رؤية يغلب عليها "سرد الرفض" إن
جازت العبارة والملل من كلّ ما يحيط بالذات الراوية، سردٌ
فيه ينطق الراوي بما يدور في داخله، وما السردُ هنا إلاّ
تُكَأة أو مستَنَد للتعبير عن حالات الراوي في حالات هوسه،
لا يُقصَد السرد لذاته وإنّما هو سبيل يتحقّق فيه الراوي،
هو مساحة للحكاية أو بالأحرى للتعبير عن الموقف من الوجود،
ولا ضرر في ذلك، فمن ضمن مقاصد السرد أن يُقدّم رؤيةً
للوجود.
كتابةٌ قصصية تبحث عن ذاتها، عن خصائص تميّزها، عن فرادة
في الأفق مرجوّة، عن لغة حديثة تّخرج ما في الكائن، عن
كتابة تحوي عمق الألم، عن مساحة سردية تُعبّر عن الذات
بجموحها وانكسارها ومختلف حالاتها.."ملعونة هذه الكتابة...هذا
المستحيل الذي نتكسّر على صخوره..الدوار الذي يجعلنا ندور
ولا يدور..الزئبق الذي نقضي العمر في مطاردته، وحين نظنّ
أنّنا أمسكنا به نكتشف أنّنا أمسكنا بالسراب..
أتوق إلى لغة لا تشبه اللّغة..إلى حروف لم تُستَهلك بعدُ،
تسمعني صوت تكسّر الأشياء الثمينة داخلي..في هذه اللحظة
الذاهبة في الحزن أمسك بالقلم الذي يتثاءب في يدي كعصفور
مقصوص الجناحين، أحاول أن أخطّ به شيئا يخرجني من حالة
الإحباط التي تسكنني منذ فشل روايتي الأخيرة" (سليمان
المعمري: الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة. ص21).
عبارة استهلّ بها سليمان المعمري قصّته "لأنّها لم تر
الأرض..فإنّه لم ير السماء"، اختصر بها تمزّق القصّاص
العماني في رغبته في التحديث، مسايرا صلة الأديب بصورة
عامّة باللّغة في علاقة صوفيّة عبّر عنها أدونيس وعاناها
درويش وحاولها إدوار الخرّاط وجمال الغيطاني، وعالجها من
قبل مجمل الشعراء العرب القدامى، صلةٌ باللّغة عجيبة وهي
المأوى والمرجع وواسطة التعبير والبوح، وقد استثمر المعمري
هذه الصلة في حالة ذهانيّة في قصّته التي صدّر بها
المجموعة "الحياة بدون عصافير" ليُطلق الكلام/القصّة على
لسان شخصيّة تهذي، تُخاطب طبيبها الصامت مدى الإنجاز
السردي، صورة ثانية لامتداد الراوي ولاستغلال القصّة فضاءً
للبوح ومقاربة مواضيع عدّة، غير أنّ حبل السرد كان متينا
في الهذيان، حيث علت درجات السرديّة في إنطاق الشخصيّة
والجولان في عدد من الحوادث كانت الشخصيّة خيطَها الناظم،
والعين التي ترى الوجود معبّرة عن حالات مؤرقة ووقائع
مؤلمة، ومعبّرة عمّا يتنازع النفس من مشاعر مختلفة. تداخلٌ
محموم بين الواقع والحلم لا يحصل إلاّ في حال الخطاب
القصصي أو في حال الجنون وقد جمع بينهما المعمري، هي
أرضيّة اتّكأ عليها الراوي لتحقيق ما لا يجتمع من متعارضات
ومتباينات إلاّ في الخطاب اللغوي، لتحقيق الأجمل والأفضل
حلما ولمخاتلة الزوجة في الواقع، تداخلٌ وظيفي يمدّ الحلم
إلى الواقع، ويمدّ الواقع إلى الحلم، ويُظهر قبحا أشبه في
صورة الجمال وجمالا في هيئة القبح، يجتمع الزواج مع العشق،
مع العِرافة، مع وقائع الحياة، مع الجريمة في أشنع صورها،
هو الواقع في وجهيه.
تداخلٌ يُظهر صلةً تخاطبيّة بين سارد ومسرود له، بين
متكلّم يستأثر بالقول وسامع يستأثر بالسماع، لا يظهر إلاّ
في خطاب المتكلّم، ليتحوّل المتكلّم إلى عارض حكايات
وأحلام، وكاشف عن وقائع (اعترافات الزوجة ساعة وفاته)، غير
أنّه ساردٌ ضنين لا يُظهر لنا من الأمور إلاّ ما بدا
للشخصيّة، ولذلك يتكتّم عن تفاصيل قتل الابنة، وظلّ الفعل
مجهولا لدى القارئ كما هو مجهول لدى الراوي، ويظلّ السؤال
قائما في ذهن الراوي وفي ذهن القارئ على فظاعة الحدث
وإرباكه.
تداخل بين الحلم والواقع في لغة سرديّة جامعة بين عناصر
السرد الحدثي والحالي والقولي، في "ثرثرة" يتوفّر فيها
الراوي والمرويّ له، ووجود المروي له داخل الخطاب السردي
يستند إليه الراوي الشخصيّة أمر مهمّ لتحقّق السرد.
يغلب صوت الراوي الشخصيّة في "الحياة بدون عصافير" في علوق
بين الشخصيّة والذات الراوية، هو تداخلٌ غالب على مجمَل
القصص، حيث لا فاصل بين الراوي والشخصيّة، حيث لا تميّز
للشخصيّات، حيث هيمنة غالبة للذات الراوية، فأغلب كتّاب
القصّة يستندون إلى الشخصيّة للتعبير عن ذواتهم، ولا عيب
في ذلك، غير أنّ عين الراوي وجب أن تكون أشمل وأوسع، وجب
ألاّ تفتّت الشخصيّات للتعبير عن الذات الواحدة، حتّى
تتحرّر الشخصيّة فيما هي فيه عن سلطان الراوي.
ومع ذلك فالراوي الشخصيّة حاول جاهدا أن يُنطق الآخر
المقابل، غير أنّه أنهضه للكلام ساعة أنهى الحكاية "فهيّا
اخرج من صمتك، قل شيئا"( ص20)، وفي مقابل ذلك وجدنا
الشخصية الراوية، تروي حكايتها وحلمها وتحلّل شخصيّتها
وتنظّر لحلمها، "الحلم أفيون العاجز يا دكتور، نحن نُصاب
بالأحلام حين يكون متعذّرا أن نصاب بالحياة..لكن الأحلام
حياة أيضا، وإن زارتنا أثناء التمرّن اليومي على الموت.."
لقد سعى سليمان المعمري إلى الموافقة بين عناصر الحالّ،
الواقع وبين المرجعيات التي تتحكّم فيه وتصوغ تصوّره
القصصي. "الحياة بدون عصافير" تحوي رغبةً في التجريب ووعيا
بوسائط الحكاية، بوسائط الهذيان الذي يَرِدُ على لسان
الشخصيّة، التي يُنطقها الراوي ويجعلها الفاعل الروائي
طيلة إنجاز السرد ويُصمِت كلّ من حولها.
تتحوّل اللّغة القصصيّة إلى هذيان إلى خطاب مباشر بين
القاصّ وقارئه، تتكسّر لغة السرد من حيث أنّها كتابة قائمة
على الأحداث لتلامس الشعريّة، امتداد للذات الكاتبة،
لوقعها ولواقعها. وتظلّ عناصر الواقع، من حيث بنية
الشخصيّة والعلاقات السرديّة والإحالات المكانية المحمّلة
بوقع المكان وإكراهاته، عناصر يمكن استخدامها وإجراؤها
بطرق عديدة.
"لعنة الأمكنة" ضرب من ضروب التفاعل مع المكان، اعتمادٌ
على اللغة لبيان هذا التفاعل، ومنه بيان هذيان الراوي
ودخوله في حالة جذب قصصيّة، تتداخل فيها المرجعيّات
وتتلوّن، بين سمات الخاصّ وملامح المشترك في إيقاع مؤلم.
إيقاع الألم سمة في القصة الشبابية، في المعجم المستَخدَم
الذي يُوظّفه الخطّاب المزروعي في وقع الأحداث التي يسردها
ذهاني المعمري في الصلات بين الشخصيّات التي تُعبّر عنها
هدى الجهوري، يبرز الألم ألوانا وحكايا وأحداثا ووجوهَ
شخصيّات.
هذيان الراوي عند المزروعي شبيه بهذيان الشخصيّة الذهانية
عند المعمري، ودوما هنالك رغبة في كسر التسلسل الحدثي
وتخطّي البنية التقليديّة للشخصيّة وسما لها وتحديدا
لخصائصها، هنالك جموحٌ لاستغلال اللّغة في صلتها بصاحبها،
يستخدمها جزءا منه.
حضورٌ لعناصر سرديّة يمكن إذا ما تمّ توظيفها على الوجه
الأسلم أن تسم السرد وأن تميّزه، على هيئة التفاعل مع
المكان الذي يمثّل هاجسا مهمّا في القصص العماني، خوفا
وفرقا أو هياما وانجذابا، وعلى هيئة حضور القبيلة وأثره في
مختلف العلاقات بين الشخصيّات، وكذا المرأة سند السرد
الأساسي ومنبعه، تَرى وتُرى، وتُوصَل بصلات متعدّدة، هي
الوجه الأقتمُ، هي الوجد الأكدرُ، هي الوجه الأوضح، هي
الوجد الأمتع، في تقلّبات خاضعة لزوايا نظر الراوي ومواقعه
من المرأة، هي تُرصَد في علاقتها بذاتها، في علاقتها
بمجتمعها بمؤسّساته، في علاقتها بالآخر..
ذات الموضوعات تُقارَب ولكن بإحساس جديد، ولعلّ أنجع
الأعمال هي التي تقارب الموضوع اليومي البسيط بأسلوب حديث،
بوسائط جديدة، إذ يسود اختبار أو تجريب أنماط متعدّدة في
القصّة مثل تلوين وجه الراوي والتلاعب بالشخصيّات وإهمال
الحدث، فأعمال عديدة لا تُبنى فيها القصّة على معهود القصص،
في بحث دائم عن الفرادة والتميّز.
سبيلٌ صعبٌ وجب اقتفاؤه، غير أنّ القدرة حاصلة، قدرة على
المواءمة بين التفرّد والاجتماع، نأيا عن إعادة النماذج
التي تظلّ قدرا محتوما، وبحثا عن سُبل في الكتابة مميَّزة،
وذاك قدر الأديب أن يظلّ دوما في حالة بحث عن أقوم
الأساليب التي تؤدّيه وتُحسن التعبير عنه، في حال من
التشتّت بين ما هو غالب سائد وبين ما هو خاصّ فرديّ، عينٌ
على المشترك تأخذ منه الأشكال والألوان، وعين على الخاصّ
ترمق حركته ومختلف تفاعلاته.
(1) مارسيل بروست، مكسيم غوركي، طه حسين، ستندال: انظر على
سبيل المثال الخطاب المزروعي في لعنة الأمكنة.
لوركا، هنري ميللر: انظر سليمان المعمري في الأشياء أقرب
مما تبدو في المرآة