شرفات....

نقد
حاز على جائزة غونكور للشعر 2009
قصائد: عبد اللطيف اللعبي
ترجمة : أحمد عثمان

عبد اللطيف اللعبي... شاعر وناقد مغربي بارز، ولد في عام 1942، حسبما قررت تاريخ ميلاده سلطات الحماية الفرنسية لما عممت الحالة المدنية في المغرب.
إذا، كان عام 1942، وكانت فاس البداية: «الشوارع والمقابر»، المدينة – المتاهة حيث يبدأ الأطفال في تحدي الحياة، المقابر للعب كرة القدم حفاة لئلا يمزقوا أحذيتهم فيما الشوارع مجال العمل الحرفي المتواضع والصبور، لوالده إدريس، صانع السروج.
«الفنان البسيط
في الدكان المظلم
في البلد المعتم
بيكاسو الصمت».
وغيته أمه ذات العينين الخضراوين، الثائرة دوما ضد وضعيتها، ذات النزعة النسوية قبل ساعة ظهورها وبدون أن تعرفها. جعلها بطلة روايته « قاع الجرة».
في المدرسة الفرنكو – عربية، اكتشف بلا نظام القراءة باللغة الفرنسية: هو ذا وضع المستعمر (بفتح الميم) الصغير. ولدى خروجه من المدرسة، في الساحات الصغيرة حيث يفتح الحكاؤون أرضية المخيلة، يتأمل الوجوه الحضرية والإنسانية، ويطرق حساسيتها.
عند الاستقلال، في عام 1956، لم يتعد عمره الرابعة عشرة.
آنذاك كتب، ما الذي أوحى إليه «بمرض الكتابة»؟، «صدمتي تمثلت في اكتشافي أعمال دوستويفسكي. اكتشفت معه أن الحياة نداء داخلي ونظرة شفقة نحو عالم الإنسان». وفي الجامعة، بالرباط، حلم بدراسة السينما عوضا عن الفلسفة. ولكنه اتجه إلى الآداب الفرنسية. وفي عام 1963، انضم إلى تأسيس المسرح الجامعي المغربي. هنا، بين بريشت وآرابال، قابل جوسلين، طالبة مكناس، التي تهوى المسرح أيضا. بعد عام من تعارفهما، تزوجا.
وبعدها حملته الزوبعة السياسية في إعصار حلزوني مكتسح : مذبحة الأطفال الذين تظاهروا سلميا في الدار البيضاء، في مارس 1965.
« لأجل ألف طفل وطفل
انمحوا
بخط حقد
في الفجر الصامت
لشعوب الكلام المجنونة...».
آنذاك كان يدرس الفرنسية في ليسيه الرباط. كان الاتصال بالطلبة مشجعا غير أنه غير كاف لطموحاته، ولذا بدأ في عام 1966 «مغامرته النبيلة»، وهي إصدار مجلة « أنفاس» Souffles.
إذا كانت المجلة أعلنت عن نفسها كمجلة شعرية في عددها الأول، فأنه لم يكن من قبيل المصادفة، «الشعر هو المعمل الحقيقي للآداب».
منذ العدد الثاني، اتسعت الآفاق: سؤال الثقافة، أيا كان شكل التعبير، ثم تدريجيا سؤال المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كونت حصة المجتمع المغربي تحت الظلم والفساد اللذين استشريا فيه. وهكذا طرحت «أنفاس»، في أعدداها الاثنين والعشرين فيما الثمانية الأخيرة منها مزدوجة اللغة (عربية – فرنسية)، كافة المسائل التي حركت الحقل الثقافي في العقود التالية على إصدارها أيضا: «هذه التجربة المؤسسة سمحت بإحداث انقلاب في الحقل الأدبي المغربي». وبالتوازي، شارك في العمل السياسي: «الخطوة التي قمت بها تنبع من تمردي ومتطلبات كوني كاتبا. كلمات تمردي لا يمكن أن تكون مجانية. من اللازم أن آخذها، آخذها بمعنى الكلمة»، كما قال. انضم إلى صفوف حزب الحرية والاشتراكية، ثم غادره في عام 1970، ليكون أحد مؤسسي حركة يسارية متطرفة «إلى الأمام».
حل عام 1972، بداية الأعوام السوداء التي مدت غطاء الصمت والخوف على المغرب.
توقيف. تعذيب. اعتقال. مثلما جرى مع العشرات من الشباب المثالي والمتمرد.
في عام 1973، حكم عليه بالسجن لعشر سنوات. باروديا العدالة : الدليل على كونه يعمل ضد النظام: أعداد مجلة «أنفاس». وهكذا أودع «قلعة المنفى» بالقنيطرة، حيث حمل الرقم 18611: «وضعوا رقما على ظهر غيابي» سجنوه. ولكن هل كف عن الكتابة ؟ لم يكف عن الكتابة، عن الاحتراق من طرح الأسئلة، عن إعادة طرح الأسئلة عن نفسه وحوله، عن الحب، عن الحياة. لم يكف عن أن يكون حرا.
« لن أتجه إلى أن أشكر سجاني، غير أنني أصرح بأنه لولاه كانت الحرية التي ربحتها ظلت، بالنسبة لي، مفهوما مجردا. هكذا، في هذا الشأن ورغم كافة المظاهر، التي حازت على الكلمة الأخيرة، كلمته أو كلمتي».
بعد ثمانية أعوام ونصف، انفتحت أبواب المعتقل عليه وعلى عدد من رفاقه بفعل حملة عالمية. لم يفقد شيئا من ضروراته، من مقدرته النضالية، من حماسه للإنسانية. «علمني المعتقل كثيرا عن نفسي وجسدي وذاكرتي وأهوائي ومتاهة جذوري الغريبة وقوتي وضعفي ومقدرتي وحدودي، وبالتالي المعتقل مدرسة قاسية للشفافية». مكث خمس سنوات في المغرب ما لبث بعدها أن غادره متجها نحو فرنسا. غادر ؟ منفي ؟ إلى أي ضرب من المنفيين كان ؟
«المسافة التي أخذت فيها عن بلادي قربتني إليه أكثر من ذي قبل. مكنتني من الاندماج في مشية العالمي. البعد هو الثمن الجديد اللازم دفعه. والكتابة ربحت حريتها الحقيقية، وحقيقتها بشكل من الأشكال. لا تمتثل إلى أي ضرورات. لا تشير إلى أي تخريب. إنها تخريب».
حرية، الكلمة –
السيد .
منذ ذاك، أصبح ممرر الكلمات، عاملا على ترجمة العديد من الأعمال العربية الفرنسية، للعديد من الشعراء على وجه الخصوص. ومن كتاب إلى آخر، نمّى نتاجا لمس كافة الأجناس الأدبية (رواية، ومسرح، ودراسات، وكتب للأطفال) تحت جوهر إنساني عميق.
« لم أكف أبدا عن المشي
نحو جذور الإنسان».
وكان مجاله الخاص المميز، الشعر: «الشعر هو كل ما يبقى للإنسان كي يؤكد كرامته».
ومن كتاب إلى آخر، أخذ يحفر آثاره، بقلم متجدد دوما ونظرة المندهش إزاء الحياة، الحدود المفروضة وصعوبات القول: «أنا بالكاد ولدت في الحياة».

*محنة حالم مفتون *

ليست مسألة هز الكتفين
ولا عضلة ذات الرأسين
مثل ثقل السنين
ومن يحملونها
هم دوما الضعفاء
هم أيضا موضوع الخوف
الشك
الجبن
ويحدث أحيانا أن يلعنوا
الفكرة أو الحلم الزاهي
الذي عرضوه
على نار جهنم
ولكن إذا استسلموا
لن يتفرقوا
ولكن بشقاء متواتر
يقطعون ويبترون
هذه الشبكات الإنسانية
تعرف أن جسدها الشحيم
من الخيانة
يصبح نايا
أن رعاة اليقظة نفخوا في آلاتهم
لكي يأسروا
ويخفروا سيمفونية المقاومة
حتى النجوم.

( مقاطع من «محنة حالم مفتون»، مطبوعات لا ديفرنس، 2008 )

*غدا اليوم نفسه *

غدا
اليوم نفسه
لن أحيا سوى ثوان
الجبهة ملتصقة بزجاج النافذة
كي أتلقى تعاقب الغسق
كتمت صرخة
إذ أن أحدا لن يسمعها
في هذه الصحراء
جعلت نفسي
في وضع الجنين
على مقعد عزلتي العتيقة
أنتظر
أن يفرغ كوبي حتى منتصفه
لكي يشير إلى مذاق المرارة
أرى
الغد
يوقظني ويعطل
بشراسة الشبيه.

*لقاح *

باريس أورلي
أنت في الصفوف الأولى
ذي البساط الدوار
تراقب الحقيبة الحمراء
التي ابتعتها خلال هذه الرحلة البحرية
حينما تتبدى بعد طول انتظار
ستعرفها بالكاد
يقال أنها اجتازت
الممرات الضيقة لمنجم فحم
وأكثر من ذلك كانت ممزقة
أي محقق أعجبه
أن يفتحها بدون رقة
لما وضعت فيها قصائدك
بعيدا عن حقيبة يدك ؟
هيا بنا، كف عن التمثيل
غير رأيك
التحقيق اليوم يرتدي قفازات
ويستخدم الأشعة
لديه بواعث أخرى للقلق
أنت، حلقت ذقنك في وقه ؟؟؟
ولا تفكر في أن الثورة
لأجل الغد
ربما لبعد غد، إذا نجحت
في إنتاج
في معملك السري
لقاح الحصان
ضد الحماقة الظافرة.

(محنة حالم مفتون، مطبوعات لا ديفرانس، 2008 )